لم تعد كثافة المنشورات أو تصدر الهاشتاجات لقوائم التداول دليلًا كافيًا على قدرة أي جماعة أو تيار معين على التأثير في الرأي العام، فبين الأرقام التي تتصدر شاشات مواقع التواصل الاجتماعي والاتجاهات الحقيقية للمواطنين فجوة لا يمكن تجاهلها، خاصة مع انتشار الحملات المنسقة وتكرار الرسائل عبر حسابات متعددة، في محاولة لصناعة انطباع بوجود حالة غضب واسعة أو اتجاه شعبي مؤيد لرواية بعينها.
وفي هذا السياق، تبرز الحملات الإلكترونية المرتبطة بجماعة الإخوان الإرهابية باعتبارها نموذجًا يستدعي الفحص والتحليل، لاكتشاف الفارق بين الحضور الرقمي الظاهري والتأثير الحقيقي في المجتمع، في ظل اعتماد التنظيم على المنصات الإلكترونية لترويج خطابه وإعادة تدوير رواياته السياسية الكاذبة، هذا ما يوضحه الباحث في شؤون الحركات المتطرفة والجماعات الإرهابية طارق البشبيشي في السطور التالية.
من الحشد الميداني إلى الضوضاء الرقمية
ويرى طارق البشبيشي، الباحث في شؤون الحركات المتطرفة، أن جماعة الإخوان اتجهت إلى الاعتماد بصورة أكبر على المنصات الرقمية بعد تراجع حضورها وتأثيرها في الشارع، وأصبحت مواقع التواصل الاجتماعي إحدى الوسائل التي تحاول من خلالها الحفاظ على وجودها الإعلامي والسياسي، وإعادة تقديم خطابها إلى الجمهور. مشيرًا إلى أن الجماعة باتت تعتمد على الحملات الإلكترونية والهاشتاجات والتعليقات المتكررة، معتبرًا أن هذا التحول يعكس تغير أدواتها في محاولة التأثير، مع استمرار توظيف المنصات الرقمية في نشر الرسائل الدعائية ومهاجمة الدولة المصرية والترويج لروايات تستهدف تشكيل اتجاهات الجمهور. مضيفًا؛ انتقال جانب من نشاط الجماعة الارهابية إلى الفضاء الإلكتروني، واستخدام الحسابات والمنصات في إعادة تداول الرسائل ذاتها بصيغ مختلفة، بما يجعل تحليل مضمون الحملات وطبيعة التفاعل معها أكثر أهمية من الاكتفاء بحجم المنشورات المتداولة.
الهاشتاج ليس استطلاعًا للرأي العام
وأكد طارق البشبيشي؛ أحد أبرز الإشكاليات تتمثل في التعامل مع الهاشتاجات المتصدرة للمنصات باعتبارها انعكاسًا مباشرًا لاتجاهات المجتمع؛ فانتشار وسم معين قد ينتج عن اهتمام حقيقي بقضية عامة، لكنه قد يتأثر أيضًا بكثافة النشر أو التنسيق بين الحسابات أو إعادة نشر المحتوى نفسه مرات عديدة. ومن ثم، فإن تصدر هاشتاج لقائمة التداول لا يعني بالضرورة أن أغلبية المواطنين تتبنى مضمونه، كما أن كثرة التعليقات لا تثبت وحدها نجاح الحملة في تغيير قناعات الجمهور أو دفعه إلى اتخاذ موقف سياسي محدد.، خاصة وأن وعى الشعب المصرى بأفعال الجماعة الارهابية مرتفع جدًا.
تكرار الرسائل وصناعة الانطباع
وأكد الباحث في شؤون الحركات المتطرفة أن الحملات الرقمية للجماعة الارهابية تعتمد على نشر الرسالة الواحدة عبر حسابات متعددة، وإعادة صياغتها في منشورات وتعليقات ومقاطع قصيرة، بما يجعلها حاضرة بصورة متكررة أمام المستخدمين. وقد يؤدي هذا التكرار إلى خلق انطباع بأن الرواية الكاذبة المطروحة تحظى بانتشار أوسع؛ ومثالًا على ذلك؛ توظيف الحسابات الوهمية للتنظيم وإعادة تدوير الشائعات والمحتوى المضلل في الحملات الرقمية المرتبطة بالإخوان مؤءكدًا، أن منصات التواصل أصبحت إحدى الأدوات التي تستخدمها الجماعة في محاولات التأثير على وعي المصريين، وأن هذه الحملات تواجه رفضًا من قطاعات من الجمهور. ومضيًا: تظل القدرة على التحقق من الأخبار، والرجوع إلى المصادر الأصلية، ومقارنة الروايات المتداولة بالمعلومات الموثقة، من العوامل المهمة في الحد من انتشار المحتوى المضلل.