تستعد لجنة الزراعة والري والأمن الغذائي والثروة الحيوانية بمجلس النواب، خلال اجتماعاتها المقبلة، لفتح عدد من الملفات الحيوية المرتبطة بمستقبل القطاع الزراعي، وفي مقدمتها أزمة الأسمدة المدعمة، وآليات تطوير منظومة الكارت الذكي، والتوسع في زراعة المحاصيل الاستراتيجية، وعلى رأسها القمح، إلى جانب تفعيل منظومة الزراعات التعاقدية بما يضمن تسويق المحاصيل وتحقيق عائد مناسب للمزارعين.
وتأتي هذه الملفات ضمن أولويات خطة عمل اللجنة خلال دور الانعقاد العادي الثاني من الفصل التشريعي الثالث، التي ناقشتها اللجنة برئاسة النائب سامي شاهين، في إطار بحث التحديات التي تواجه المزارعين والإنتاج الزراعي، ووضع مقترحات للتعامل مع نقص مستلزمات الإنتاج، ورفع كفاءة استخدام الموارد المتاحة، وتعزيز قدرة القطاع الزراعي على تلبية احتياجات السوق المحلية.
الكارت الذكي ومستلزمات الإنتاج.. ضبط منظومة دعم الفلاح
يمثل ملف الكارت الذكي أحد الملفات المرتبطة بتنظيم توزيع مستلزمات الإنتاج الزراعي، وضمان وصول الأسمدة المدعمة إلى مستحقيها، في ظل ما تواجهه الجمعيات الزراعية من شكاوى تتعلق بخفض الحصص المدعمة وعدم توافر الأسمدة بالكميات المطلوبة.
وتتجه أهمية هذا الملف إلى ضرورة مراجعة آليات توزيع الأسمدة، والتحقق من مدى توافق الحصص المقررة مع الاحتياجات الفعلية للمحاصيل والمساحات المنزرعة، إلى جانب متابعة انتظام الصرف داخل الجمعيات الزراعية، بما يساعد على الحد من الاختناقات التي قد تؤثر على مواعيد التسميد والإنتاجية.
ويطرح هذا الملف تساؤلات بشأن مدى كفاية الكميات المتاحة من الأسمدة مقارنة باحتياجات الموسم الزراعي، وآليات التعامل مع حالات تأخر الصرف أو عدم توافر المستلزمات المطلوبة، فضلًا عن أهمية إحكام الرقابة على منظومة التوزيع.
ويكتسب الكارت الذكي أهمية في ربط بيانات الحيازة الزراعية باستحقاقات الدعم، بما يتيح بناء قاعدة بيانات أكثر دقة عن المزارعين والمساحات المزروعة واحتياجات الإنتاج. كما تبرز أهمية تحديث البيانات بصورة مستمرة، ومراجعة حالات التغيير في الحيازات، والتعامل مع أي أخطاء قد تؤدي إلى حرمان مستحقين من حصصهم أو عدم مطابقة الكميات المصروفة للاحتياجات الفعلية.
ومن المنتظر أن يرتبط تناول هذا الملف ببحث آليات التنسيق بين اللجنة والجهات التنفيذية المعنية، للوصول إلى حلول عملية توازن بين إحكام الرقابة على الدعم وضمان توافر مستلزمات الإنتاج في التوقيت المناسب، باعتبار أن انتظام إمدادات الأسمدة أحد العوامل المؤثرة في استقرار العملية الزراعية.
القمح والمحاصيل الاستراتيجية.. أولوية لتقليص فجوة الإنتاج
يأتي التوسع في زراعة القمح والمحاصيل الاستراتيجية في مقدمة الملفات التي تفرض نفسها على أجندة اللجنة، في ظل أهمية زيادة الإنتاج المحلي وتعزيز قدرة الدولة على توفير احتياجاتها الغذائية. وتتمثل أبرز محاور التحرك في دراسة سبل تشجيع المزارعين على التوسع في زراعة المحاصيل ذات الأولوية، وتحسين إنتاجية الفدان، والاستفادة من نتائج البحوث الزراعية في تطوير الأصناف المستخدمة.
وتبرز أهمية استنباط أصناف جديدة من القمح تتميز بارتفاع الإنتاجية والقدرة على التكيف مع الظروف المناخية المختلفة، إلى جانب ترشيد استهلاك المياه ومقاومة الأمراض، بما يساعد على زيادة حجم الإنتاج من المساحات المنزرعة بالفعل، دون الاعتماد على التوسع الأفقي وحده.
ويرتبط تحقيق هذه الأهداف بضرورة توفير التقاوي المعتمدة بالكميات المناسبة، وإتاحتها للمزارعين في التوقيتات الملائمة، فضلًا عن تطوير منظومة الإرشاد الزراعي لتوعية المزارعين بأفضل الممارسات المتعلقة بمواعيد الزراعة والتسميد والري والحصاد.
كما تبرز أهمية التنسيق بين وزارتي الزراعة واستصلاح الأراضي والتموين والتجارة الداخلية، فيما يتعلق بتحديد الاحتياجات المستهدفة من المحاصيل الاستراتيجية، وربط خطط الإنتاج بآليات التوريد والتسويق، بما يحقق التوازن بين متطلبات الأمن الغذائي ومصالح المزارعين.
الزراعات التعاقدية.. ضمان التسويق قبل بدء الموسم
يمثل تفعيل نظام الزراعة التعاقدية أحد المحاور الرئيسية المطروحة أمام اللجنة، خاصة فيما يتعلق بالمحاصيل الاستراتيجية التي تحتاج إلى أسواق مستقرة وقنوات تسويق واضحة. وتقوم الفكرة على تنظيم العلاقة بين المزارع والجهة المتعاقدة قبل بدء الزراعة، من خلال الاتفاق على المحصول والكميات والمواصفات وآليات التسليم والسعر أو قواعد تحديده.
وتساعد هذه المنظومة، حال تطبيقها بصورة فعالة، على تقليل مخاطر تقلبات الأسعار، ومنح المزارع رؤية أوضح بشأن العائد المتوقع من المحصول، فضلًا عن مساعدة الشركات والمصانع والجهات المسوقة على التخطيط لاحتياجاتها من الإنتاج الزراعي.
وتتطلب الاستفادة من الزراعات التعاقدية وضع ضوابط واضحة للعقود، وتحديد التزامات جميع الأطراف، وتوفير آليات لتسوية النزاعات، إلى جانب الالتزام بمواعيد استلام المحاصيل وسداد المستحقات. كما تبرز أهمية ربط التعاقدات بتوفير مستلزمات الإنتاج والإرشاد الفني والتمويل عند الحاجة، حتى لا تقتصر المنظومة على تحديد سعر المحصول دون معالجة التحديات التي تواجه المزارع طوال الموسم.
ومن هذا المنطلق، يمثل توسيع نطاق الزراعة التعاقدية فرصة لربط الإنتاج الزراعي باحتياجات التصنيع الغذائي والتسويق، مع إعطاء اهتمام خاص للمحاصيل التي ترتبط بها سلع أساسية أو صناعات تعتمد على توافر الخامات الزراعية بصورة منتظمة.
خريطة زراعية جديدة.. الإنتاج وفق الموارد المائية
ولا تنفصل الملفات السابقة عن توجه اللجنة لبحث إعداد خريطة زراعية جديدة تتناسب مع الموارد المائية المتاحة، بما يساعد على تحديد أنسب المحاصيل لكل منطقة وفق طبيعة التربة واحتياجات الري والجدوى الاقتصادية.
وتتطلب هذه الخطوة الاستفادة من البيانات المحدثة بشأن المساحات المنزرعة والإنتاجية واحتياجات الأسواق، إلى جانب تطوير قاعدة بيانات للإنتاج الزراعي على مستوى الجمهورية، بما يدعم التخطيط وتحديد الفجوات الإنتاجية وتوجيه الاستثمارات إلى المجالات الأكثر احتياجًا.
كما تشمل أولويات اللجنة دراسة التحديات التي تواجه الإنتاج الحيواني والداجني، ونقص الكوادر في الإرشاد الزراعي ومديريات الطب البيطري، والمعوقات المرتبطة بترخيص المزارع والتوسع في التصنيع الزراعي، فضلًا عن بحث ارتفاع الإيجارات السنوية للمزارع السمكية وتأثيرها على الإنتاج.
لقاءات حكومية وتشريعات لمواكبة المتغيرات
وفي المسار التشريعي والتنفيذي، تتضمن الأولويات المقترحة بحث إعداد قانون جديد للمراعي الطبيعية، ودراسة تعديل قانون الزراعة بما يواكب المستجدات، خاصة في مجالات الزراعة الذكية والعضوية. كما تشمل عقد لقاءات مع وزراء الزراعة واستصلاح الأراضي، والموارد المائية والري، والتموين والتجارة الداخلية، لمناقشة التحديات القائمة وسبل تطوير القطاع.
ومن المنتظر أن تستكمل اللجنة مناقشة مشروع خطة عملها خلال اجتماع مقبل، بما يتيح ترتيب الملفات وفقًا لأولويات المرحلة، وتحديد القضايا التي تتطلب تدخلًا تشريعيًا أو تنسيقًا مع الجهات التنفيذية.
وتتجه أهمية هذه الملفات إلى اختبار قدرة السياسات الزراعية على تحقيق معادلة متكاملة، تبدأ بضمان وصول مستلزمات الإنتاج إلى المزارع، وتمر برفع إنتاجية المحاصيل الاستراتيجية وتوفير ضمانات التسويق، وتنتهي بزيادة الإنتاج المحلي وترشيد استخدام الموارد. ويبقى التنفيذ الفعلي والحلول القابلة للقياس العامل الحاسم في تحويل هذه الأولويات إلى نتائج ملموسة تنعكس على المزارعين والأمن الغذائي.