3 سنوات على ذكرى 7 أكتوبر
ثلاث سنوات على "7 أكتوبر".. الإخفاق الأمني يطارد نتنياهو في أول انتخابات تشريعية منذ "الطوفان".. ورئيس الوزراء يدافع عن حصيلة حربة الثقيلة على غزة.. القطاع يلملم ويلات الحرب ويتشبث باتفاق السلام.. ومصر حاضرة في قلب "المساندة الإنسانية"
بعد ثلاث سنوات، يعود السابع من أكتوبر إلى إسرائيل هذه المرة من بوابة صناديق الاقتراع. فالذكرى الثالثة للهجوم الذي غيّر وجه المنطقة تحل قبل نحو ثلاثة أسابيع فقط من الانتخابات التشريعية الإسرائيلية الأولى منذ أحداث 2023، لتضع مجدداً أمام الناخب الإسرائيلي أسئلة لم تغلقها سنوات الحرب: من يتحمل مسؤولية الإخفاق الأمني، وهل حققت الحرب أهدافها؟ وكيف أصبحت إسرائيل أكثر أمناً بعد واحدة من أطول وأوسع المواجهات في تاريخها؟
وعلى الجانب الآخر من الحدود، تبدو الصورة مختلفة تماماً. فبعد ثلاث سنوات من الحرب وعام تقريباً على دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، لا يزال السلام في غزة بعيداً عن معناه الكامل، القصف لم يتوقف تماماً، والخسائر البشرية مستمرة، وأكثر من مليون ونصف المليون نازح يعيشون في الخيام، فيما تحاول جهود إقليمية ودولية إعادة بعض مظاهر الحياة إلى قطاع دُمر جزء كبير من بنيته التحتية.
وبين إسرائيل التي تدخل انتخابات مثقلة بإرث 7 أكتوبر، وغزة التي تحاول الانتقال من وقف إطلاق النار إلى سلام فعلي، تكشف الذكرى الثالثة أن الهجوم لم يعد حدثاً في الماضي، وإنما تحول إلى نقطة فاصلة لا تزال تعيد تشكيل السياسة الإسرائيلية ومستقبل القطاع والمنطقة بأكملها.
وتكتسب ذكرى 7 أكتوبر هذا العام حساسية سياسية خاصة داخل إسرائيل، إذ تأتي وسط حملة انتخابية مشحونة وقبل ثلاثة أسابيع من الانتخابات التشريعية، وبعد ثلاث سنوات، لم يغلق ملف المسؤولية عن الإخفاقات الأمنية التي سبقت الهجوم، ولا تزال الدعوات مستمرة لتشكيل لجنة تحقيق مستقلة تحدد المسؤولية السياسية والعسكرية عما حدث.
وخلال مراسم إحياء الذكرى، عاد رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، أحد أبرز منتقدي بنيامين نتنياهو، إلى هذا الملف، واصفاً ما جرى بأنه فشل ذريع لدولة إسرائيل، ومطالباً بإعادة بناء الدولة بصورة أقوى وأفضل، وبذلك تحولت الذكرى إلى جزء من المواجهة السياسية حول رواية ما حدث والمسؤولية عنه، في وقت يسعى فيه نتنياهو إلى تقديم السنوات الثلاث الماضية باعتبارها مرحلة غيرت ميزان القوة في المنطقة وأزالت تهديدات استراتيجية كانت تواجه إسرائيل.
وخلال مراسم أقيمت في مقبرة جبل هرتسل، دافع نتنياهو عن مسار الحرب، وربط هجوم 7 أكتوبر بما وصفه بخطة المحور الإيراني ضد إسرائيل، وزعم إن إسرائيل قلبت المعادلة وأزالت ما وصفه بالخطر المباشر على الدولة، لكنه أكد في الوقت نفسه أن هناك «مهام» لم تنته بعد.
وفي رسالة تعكس استمرار الخيار العسكري رغم اتفاق وقف إطلاق النار، توعد نتنياهو بمواصلة ملاحقة المشاركين في هجوم 7 أكتوبر ومن احتجزوا الأسرى الإسرائيليين، وهدد :"لن يكون هناك أي حكم لحماس في غزة"، مضيفاً أن كل من شارك في الهجوم أو احتجز رهائن يعيش وقتاً مستعاراً.
وتأتي التصريحات بينما تخوض إسرائيل انتخابات ستشكل نتائج الحرب والأمن ومستقبل غزة محاور رئيسية فيها، خصوصاً مع استمرار الانتقادات لنتنياهو بسبب عدم منع هجوم 2023، وعدم تشكيل لجنة تحقيق مستقلة حتى الآن، وفي المقابل، حذر الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ من خطورة الانقسام الداخلي بالتزامن مع الانتخابات، في إشارة إلى الاستقطاب الذي لا يزال يضرب المجتمع الإسرائيلي بعد ثلاث سنوات من الحرب.
وتدخل آثار الحرب أيضاً إلى الحملة الانتخابية من بوابة كلفتها البشرية داخل إسرائيل، فقد أعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية أن نحو 30 ألفاً من أفراد الجيش وقوات الأمن تلقوا العلاج والتأهيل منذ بداية الحرب، بينهم 47% دون سن الثلاثين و62% من جنود الاحتياط.
وبحسب الوزارة، تمثل الإصابات الجسدية 37% من الحالات، بينما يعاني 63% من تداعيات نفسية، وتتوقع وزارة الدفاع أن يرتفع عدد الذين يحتاجون إلى العلاج والتأهيل إلى نحو 100 ألف بحلول عام 2028، على أن يكون نحو نصفهم من المصابين بمشكلات نفسية.
كما تحدثت البيانات عن 249 حالة إصابة معقدة في الرأس، و29 شخصاً فقدوا البصر بصورة دائمة أو أصيبوا بضعف شديد في الرؤية، إضافة إلى 106 حالات بتر أطراف، وارتفعت ميزانية قسم التأهيل خلال السنوات الثلاث بنسبة 88% لتصل إلى نحو 10 مليارات شيكل، يخصص أكثر من 60% منها للصحة النفسية واضطراب ما بعد الصدمة.
وعلى بعد كيلومترات قليلة من مراسم الذكرى داخل إسرائيل، تحمل السنوات الثلاث معنى مختلفاً تماماً بالنسبة إلى سكان غزة، فوفق وزارة الصحة في القطاع، تجاوز عدد الشهداء منذ بداية الحرب 74 ألفاً و250، فيما بلغ عدد المصابين 175 ألفاً و278.
ورغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025، تشير البيانات الفلسطينية والأممية إلى أن القتل لم يتوقف بالكامل، وقالت المتحدثة باسم مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان رافينا شمداساني إن أكثر من 1400 فلسطيني قتلوا منذ إعلان وقف إطلاق النار، محذرة من أن «الغياب المزمن» للمحاسبة على الانتهاكات يمثل أحد العوامل التي تؤجج استمرار العنف.
ووصفت الأوضاع الإنسانية في غزة والضفة الغربية بأنها بلغت «مستويات كارثية»، وتحدثت عن حالات وفاة بسبب الجوع، وعن جرائم حرب وجرائم محتملة ضد الإنسانية، إلى جانب استمرار الانتهاكات في الضفة الغربية.
وبحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، جرى تسجيل أكثر من 5304 خروقات لاتفاق وقف إطلاق النار خلال عام، أسفرت وفق بياناته عن استشهاد أكثر من 1460 فلسطينياً وإصابة أكثر من 5116، إضافة إلى اعتقال 202 فلسطينيين، وتقول الجهات الحكومية في غزة إن الاتفاق لم يتحول إلى وقف كامل للقصف والتوغلات وتدمير الممتلكات، كما لا تزال أزمة دخول المساعدات واحدة من أكبر نقاط الخلاف.
ووفق المكتب الإعلامي الحكومي، دخلت 74 ألفاً و283 شاحنة فقط من أصل 214 ألفاً و800 شاحنة كان يفترض دخولها بموجب الالتزامات المرتبطة بالاتفاق، بنسبة تقل عن 35%.
وفي قلب المشهد الإنساني، تحاول مصر المساهمة في استعادة تفاصيل الحياة اليومية التي توقفت لثلاث سنوات، وقال محمد منصور، المتحدث باسم اللجنة المصرية في قطاع غزة، إن الدور المصري لم يعد يقتصر على تقديم الغذاء والدواء، وإنما امتد إلى دعم قطاعات مختلفة، وفي مقدمتها التعليم.
وبحسب وكالة أنباء الشرق الأوسط، قال منصور أن أكثر من 36 ألف طالب إلى الدراسة هذا العام، واستقبلتهم اللجنة المصرية في 20 مدرسة، مع توفير الزي المدرسي والحقائب والوجبات الصباحية، كما عاد أكثر من 250 طفلاً من الأيتام إلى الدراسة في المدينة المصرية لرعاية الأيتام.
وفي الوقت نفسه، تواصل المعدات المصرية العمل في شمال غزة ووسطها وجنوبها لإزالة الركام وفتح الطرق، بما يشمل المساعدة في إزالة الأنقاض من المدارس والجامعات بالتعاون مع المؤسسات الفلسطينية والدولية، وتعمل اللجنة أيضاً على الاستعداد لفصل الشتاء وتوفير احتياجات الأسر التي تعيش في الخيام، في ظل المخاوف من الأمطار والسيول.
وبين أرقام القتلى والجرحى والنازحين، تمثل عودة عشرات الآلاف من الأطفال إلى مقاعد الدراسة واحداً من المؤشرات القليلة على محاولة القطاع الانتقال من مجرد البقاء على قيد الحياة إلى استعادة شكل من أشكال الحياة الطبيعية.
وبينما تتجه إسرائيل إلى أول انتخابات تشريعية منذ هجوم 7 أكتوبر، سيكون السؤال عن السنوات الثلاث الماضية حاضراً في صناديق الاقتراع بقدر حضوره في مراسم الذكرى. وفي غزة، سيقاس نجاح أي اتفاق ليس بعدد البيانات التي تتحدث عن «السلام الدائم»، وإنما بقدرته على وقف القتل فعلياً، وإدخال الغذاء والدواء، وإعادة بناء المنازل والمدارس، وإخراج أكثر من مليون إنسان من الخيام.