لم تعد أدوات جماعة الإخوان الإرهابية في التحريض تعتمد على خطاب سياسي متماسك أو طرح قادر على إقناع الجمهور، وإنما انحدرت في السنوات الأخيرة إلى لغة تقوم على التشهير والتخوين والسباب وتصفية الحسابات بين الأجنحة والمنصات المتصارعة، في مشهد يكشف حجم التآكل الذي أصاب خطاب جماعة الإخوان الإرهابية، بعدما تحولت المنصات التابعة أو المحسوبة عليها إلى ساحات مفتوحة للصراع الداخلي.
وفي هذا السياق، تظهر أسماء مثل صهيب عبدالمقصود وحمزة زوبع وصهيب الكاشف ضمن نماذج الخطاب المتداول عبر منصات محسوبة على تيارات مختلفة داخل جماعة الإخوان الإرهابية، حيث لم تعد الأولوية لدى المتابع هي طرح رؤية أو تقديم خطاب سياسي، وإنما متابعة جولات السباب والاتهامات المتبادلة ومحاولات إسقاط كل جناح للآخر.
الأخطر أن جماعة الإخوان الإرهابية لم تعد تستخدم التحريض فقط في مواجهة الدولة والمجتمع، وإنما أصبح جزء من أدواتها موجهاً إلى الداخل ذاته، فالتخوين صار وسيلة لإقصاء المنافس، والاتهام أصبح أداة لتصفية الحسابات، والمنصة الإعلامية تحولت في بعض الأحيان إلى سلاح يستخدمه كل طرف ضد الطرف الآخر.
وتكشف هذه الحالة عن أزمة أعمق في بنية خطاب جماعة الإخوان الإرهابية؛ فحين يفقد التنظيم القدرة على تقديم خطاب سياسي قابل للتسويق، يلجأ إلى الإثارة والصدام والفضائح الشخصية، وحين تتراجع قدرته على التأثير في الجمهور، ترتفع نبرة الشتائم والتخوين، وكأن الضجيج يمكن أن يعوض غياب الفكرة.
ومن لندن إلى إسطنبول وغيرها من دوائر النشاط الخارجي، تبدو الخلافات بين الواجهات الإعلامية لجماعة الإخوان الإرهابية أكثر وضوحاً، إذ تحولت بعض المنصات إلى ساحات لتبادل الرسائل والاتهامات، بينما أصبح المتحدث الإعلامي في بعض الحالات جزءاً من الصراع الداخلي بدلاً من أن يكون مجرد ناقل لموقف سياسي.
وهنا تظهر أخطر أدوات التحريض، صناعة العدو الداخلي، فبدلاً من توحيد الصفوف، تعمل المنصات المتصارعة على تقسيم الجمهور إلى معسكرات، وتصنيف المختلف باعتباره خائناً أو تابعاً أو فاقداً للشرعية، وهي آلية لا تنتج إلا مزيداً من التفكك داخل جماعة الإخوان الإرهابية.
كما أن الاعتماد المفرط على لغة السباب والفضائح يكشف تحول المنصات من أدوات دعائية إلى أدوات لتصفية الحسابات. فالمحتوى الذي يفترض أن يقدم موقفاً أو فكرة يتحول إلى معركة شخصية، والمتحدث الذي يفترض أن يخاطب الجمهور ينشغل بإثبات أنه أكثر ولاءً من منافسيه وأكثر قدرة على مهاجمتهم.
وبمرور الوقت، تتحول جماعة الإخوان الإرهابية من تنظيم يقدم نفسه باعتباره كياناً واحداً إلى مجموعة من الأجنحة والمنصات المتنافسة، لكل منها خطابها وواجهتها وأدواتها، بينما يجمعها هدف واحد هو الاستمرار في التأثير على الجمهور، حتى لو كان الثمن مزيداً من الانقسام والانحطاط في لغة الخطاب.
المفارقة أن هذه الأدوات التي تراهن عليها جماعة الإخوان الإرهابية للتحريض وإعادة إنتاج حضورها، قد أصبحت في كثير من الأحيان دليلاً على أزمتها، فالسباب لا يصنع شعبية، والتخوين لا يصنع مشروعاً، والفضائح المتبادلة لا تقدم بديلاً سياسياً، وإنما تكشف فقط حجم الصراع داخل منظومة فقدت كثيراً من قدرتها على التأثير.
ومن ثم، فإن أخطر ما في خطاب جماعة الإخوان الإرهابية ليس ارتفاع صوته، وإنما إصراره على تحويل الخلاف إلى تحريض، والسياسة إلى خصومة شخصية، والإعلام إلى ساحة لتصفية الحسابات، ومع تراجع تأثير هذا الخطاب أمام الجمهور المصري، تبدو المنصات المتناحرة أقرب إلى جزر منعزلة تتصارع على المساحة والظهور، بينما يزداد المشهد انكشافاً أمام الرأي العام.
وأثبتت التجربة أن مصر أقوى من دكاكين التحريض، وأن الدولة والمجتمع لا يمكن اختزالهما في معارك منصات أو صراخ إعلامي، وما يبدو في بعض الأحيان معركة كبرى على الشاشات، قد لا يكون في حقيقته سوى انعكاس لأزمة أعمق داخل جماعة الإخوان الإرهابية، التي بات خطابها التحريضي يكشف تناقضاتها وانقساماتها أكثر مما يستطيع التأثير في الشارع.