دونالد ترامب الرئيس الأمريكي
إيران ترفض فتح هرمز دون تنفيذ شروطها
بعد أكثر من سبعة أشهر على اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، تبدو محاولات الوصول إلى تسوية عالقة بين خطوط حمراء يتمسك بهما الطرفان؛ واشنطن تصر على ألا تخرج إيران من الحرب وهي قادرة على امتلاك سلاح نووي، فيما ترفض طهران إعادة فتح مضيق هرمز قبل تنفيذ شروطها السبعة، وفي مقدمتها تخفيف العقوبات ووقف التدخل في حركة شحنها التجاري وإنهاء التدخل العسكري الأمريكي.
وبين الموقفين، تكشف التحركات العسكرية الأخيرة أن خيار التصعيد لا يزال حاضراً بقوة، فقد سحبت الولايات المتحدة قاذفات "بي-1" من قاعدة فيرفورد البريطانية بعد معلومات عن تهديد مرتبط بإيران، بينما أفادت تقارير إسرائيلية بأن قوات وطائرات أمريكية إضافية ستصل إلى إسرائيل خلال الأسابيع المقبلة استعداداً لاحتمال اتساع المواجهة.
ويأتي ذلك بينما تتزايد الكلفة السياسية والاقتصادية للحرب داخل الولايات المتحدة قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في 3 نوفمبر، في وقت يحاول فيه الرئيس دونالد ترامب الجمع بين التهديد بضربات جديدة والحديث عن إمكانية إنهاء الحرب إذا قبلت طهران اتفاقاً بشروط واشنطن.
في أحدث تحديد أمريكي لأهداف الحرب، قال وزير الطاقة كريس رايت إن الولايات المتحدة اتخذت قراراً بأن إيران لن يكون بمقدورها امتلاك أسلحة نووية، وأوضح رايت، في مقابلة مع شبكة «سي بي إس نيوز»، أن ترامب اتخذ موقفاً حاسماً يقوم على منع إيران من الوصول إلى السلاح النووي، مؤكداً أن واشنطن تبحث مختلف الوسائل لتحقيق هذا الهدف، بداية من الأدوات الاقتصادية ووصولاً إلى الاستعداد لما قد يكون مطلوباً عسكرياً.
وقال رايت إن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تترك للإدارة المقبلة إيران مسلحة نووياً، معتبراً أن القضية تتجاوز الحسابات السياسية وترتبط بالأمن والاستقرار، وأشار إلى أن ترامب كان مدركاً منذ البداية أن المواجهة يمكن أن ترفع أسعار الطاقة على المدى القصير، لكنه اختار، بحسب رايت، تحمل هذه الكلفة مقابل منع إيران من امتلاك السلاح النووي.
طهران ترفض حصر المفاوضات في الملف النووي
لكن التصريحات الأمريكية تصطدم برؤية إيرانية مختلفة تماماً لطبيعة أي مفاوضات جديدة، فقد قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن طهران قدمت «ردوداً واضحة» على المقترحات الأمريكية عبر الوسيط القطري في الدوحة، رافضاً ما اعتبره محاولة من واشنطن لتوجيه المحادثات نحو الملف النووي وحده.
ونفى بقائي أن تكون إيران قد عرضت السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بتفتيش منشآتها النووية مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية، وقال، وفق ما نقلته وكالة «إرنا»، إن طهران لم تدخل أساساً في نقاش يقوم على معادلة الملف النووي مقابل العقوبات، وإنما أبلغت الوسطاء بشروطها في إطار ما يعرف بـ"مخطط الأيام السبعة".
وحدد بقائي جزءاً من المطالب الإيرانية المتعلقة بمضيق هرمز، قائلاً إن استعادة الأمن في المضيق تتطلب خطوات أمريكية ملموسة تشمل الوقف الكامل للتدخل في حركة الشحن التجاري الإيراني، ورفع العقوبات الأحادية والعقوبات التي فرضت مؤخراً، وإنهاء التدخل العسكري.
وفي تأكيد جديد على استخدام المضيق كورقة رئيسية في المفاوضات، أعلن كبير المفاوضين الحكوميين محمد باقر قاليباف أن إيران لن تعيد فتح هرمز قبل تنفيذ شروطها، وقال بحسب وكالة «فارس»، إن موقف ايران واضح وثابت تماماً، وإن إعادة فتح المضيق مرتبطة بتحقيق الشروط السبعة المستندة إلى مذكرة تفاهم إسلام آباد.
استقالة وزير النفط وسط ضغوط على صادرات طهران
وبالتزامن مع المواجهة حول المضيق، أعلنت وكالة «إرنا» استقالة وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد، على أن يتولى حامد بوفارد، الرئيس التنفيذي لشركة النفط الوطنية الإيرانية، مهام الوزير بالإنابة، ولم تكشف الوكالة أسباب الاستقالة، إلا أنها تأتي في توقيت شديد الحساسية بالنسبة إلى قطاع الطاقة الإيراني، الذي يواجه قيوداً متزايدة على صادراته نتيجة الحصار البحري الأمريكي واضطراب الملاحة، وكان باك نجاد قد تولى وزارة النفط في أغسطس 2024 ضمن حكومة الرئيس مسعود بزشكيان.
وذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن قدرة إيران على تصدير نفطها عبر مضيق هرمز تراجعت منذ إعادة فرض الحصار الأمريكي في يوليو، بينما تحاول دول المنطقة الحفاظ على صادراتها عبر مسارات بديلة رغم ارتفاع التكلفة والمخاطر.
وفي مؤشر آخر على استمرار المخاطر العسكرية، كشفت صحيفة نيويورك تايمز، نقلاً عن مسؤولين أمريكيين، أن الولايات المتحدة سحبت جميع قاذفاتها الـ12 من طراز "بي-1" من قاعدة فيرفورد البريطانية خلال عطلة نهاية الأسبوع، بعد تلقي تحذيرات بشأن مؤامرة يشتبه في ارتباطها بإيران لاستهداف القاعدة.
ووصفت الصحيفة التحرك بأنه "غير معتاد للغاية"، بالنظر إلى سرعة سحب القاذفات من قاعدة عسكرية داخل دولة حليفة بعيدة عن منطقة القتال، وقالت وول ستريت جورنال إن الخطوة تمثل تحولاً في الموقف الأمريكي، إذ كانت قاعدة فيرفورد تستخدم مركزاً لعمليات القاذفات المشاركة في الغارات على إيران.
وفي الوقت الذي غادرت فيه القاذفات الأمريكية بريطانيا، تشير تقارير إسرائيلية إلى تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في إسرائيل، فقد ذكر موقع والا العبري، نقلاً عن مصادر أمنية، أن الولايات المتحدة تستعد لإرسال قوات وطائرات إضافية إلى إسرائيل خلال الأسابيع المقبلة في إطار الاستعداد لاحتمال تصعيد جديد في الشرق الأوسط.
وبحسب الموقع، يوجد حالياً نحو ثلاثة آلاف جندي أمريكي في إسرائيل، تتنوع مهامهم بين تشغيل منظومات الدفاع الجوي والعمل ضمن أطقم الطيران والدعم اللوجستي والمقار العسكرية، وأوضح الموقع أن جزءاً من التحركات الحالية يتعلق بعمليات تبديل دورية للوحدات، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى وصول قوات وطائرات إضافية ضمن الاستعداد لسيناريوهات التصعيد.
ونقل «والا» عن مسؤول أمني إسرائيلي رفيع قوله إن خصوم إسرائيل يراقبون الانتخابات في كل من إسرائيل والولايات المتحدة، ويدرسون إمكانية تنفيذ هجمات تؤثر في الأوضاع دون الوصول إلى حرب واسعة، محذراً من أن الرد الإسرائيلي هذه المرة سيكون عدوانياً للغاية.
وبحسب والا، يواصل الجيش الإسرائيلي استعداداته لاحتمال اندلاع مواجهة جديدة مع إيران أو حدوث تدهور سريع في الوضع الإقليمي، وتشمل الاستعدادات بحث طبيعة العمليات التي يمكن أن تنفذها إسرائيل والأهداف المحتملة داخل الأراضي الإيرانية في حال تجدد المواجهة الواسعة.
كما يستمر التنسيق العسكري الوثيق بين إسرائيل والقيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم»، خصوصاً في ما يتعلق بالاستعداد لهجمات صاروخية إيرانية محتملة، وبذلك تكشف التحركات العسكرية عن مفارقة واضحة؛ ففي الوقت الذي تتحدث فيه واشنطن وطهران عبر الوسطاء عن شروط التسوية، تستعد القوات الأمريكية والإسرائيلية لاحتمال فشلها والعودة إلى التصعيد.
وبينما يراهن ترامب على أن الضغوط ستجبر طهران في النهاية على قبول اتفاق يستطيع تقديمه داخلياً باعتباره انتصاراً، تراهن إيران على أن قدرتها على تعطيل الملاحة ورفع الكلفة الاقتصادية للحرب ستجبر واشنطن على تقديم تنازلات.
ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في 3 نوفمبر، يصبح الوقت نفسه جزءاً من المعركة. فكل أسبوع إضافي من الحرب يعني مزيداً من الضغوط على أسعار الطاقة، ومزيداً من الأعباء السياسية على إدارة ترامب، لكنه يعني أيضاً استمرار الضغط العسكري والاقتصادي على إيران.
ولهذا تبدو الأسابيع المقبلة مفتوحة على مسارين متناقضين، إما أن تنجح الوساطات في تحويل المفاوضات غير المباشرة إلى تسوية حول هرمز والنووي والعقوبات، أو أن تتحول التعزيزات العسكرية الأمريكية والاستعدادات الإسرائيلية إلى مقدمة لجولة جديدة من التصعيد في حرب تجاوزت بالفعل بكثير المدة التي تحدث عنها ترامب عند بدايتها.