الحاج السيد سليمان ورفاقه المقاتلين
يحتفى الشعب المصرى هذه الأيام بالذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات حرب أكتوبر عام 1973، وفى مثل هذه الساعات تُسرد القصص والذكريات حول المقاتلين البواسل الذين خاضوا هذه الحرب بكل شجاعة وكبرياء، وعلى رأس هذه القصص حكاية جديدة من حكايات وبطولات، الحاج/ السيد سليمان، أحد أبناء القوات المسلحة المصرية الذين شاركوا في سنوات صعبة من تاريخ الوطن، وكان لهم دور في الاستعداد للمعركة التي مهدت لنصر أكتوبر المجيد.
فقد أمضى الحاج "سليمان" أكثر من عشر سنوات جنديًا ضمن صفوف القوات المسلحة المصرية، وشارك خلال فترة حرب الاستنزاف في مهام استطلاع ورصد للتواجد والتحركات العسكرية الإسرائيلية، حيث أُرسل مع عدد من زملائه إلى الأردن ضمن مهام عسكرية واستخباراتية، لجمع المعلومات ورصد المواقع والتحصينات الإسرائيلية، تمهيدًا للعمليات العسكرية ودعم الفدائيين والعمليات التي كانت تستهدف مواقع العدو.
الحاج "سليمان" يسرد التفاصيل
"سليمان" يسرد لموقع "برلماني" ذكريات السنوات التي مضاها في الحرب، ليؤكد أنه كان واحدًا من 55 جنديًا شاركوا في تلك المهمة الاستخباراتية والاستطلاعية، وقد استشهد منهم 28 من رفاق والدي جراء ضربات العدو، ولم تكن تلك الأسماء مجرد رفاق سلاح مرّوا في حياته، بل ظلوا حاضرِين في ذاكرته حتى اليوم؛ يحتفظ بصور كثير منهم، ويتذكر أسماءهم ومواقفهم، ويحكي عنهم بحزن ووفاء، وكأن ذكراهم لم تغب يومًا.
وكان "سليمان" يرسل خطاباته إلى والده، جدي، مع زملائه الذين كانوا يعودون إلى مصر في الإجازات، والتي كانت تأتي بعد ستة أشهر أو أكثر، وكان يحرص كذلك على إرسال الصور التي التُقطت له ولزملائه، ويكتب على ظهرها كلمات يطمئن بها والده، مع تدوين التاريخ واسم المملكة الأردنية الهاشمية واسم الاستديو الذي التُقطت فيه الصورة، وصور في حرب الاستنزاف والقيام بالعمليات الاستخباراتية التي قام بها مع زملاءه المقاتلين والفدائيين عام 1969، وكان أبرزها إسقاط طائرة العدو الإسرائيلي وتُظهر الصور وهم يحملون طائرة أسقطها الحاج "سليمان"، وقام بحمل جناحها زميله "تامر جرجس جرس"، من المدمر، مركز طما، وهي تفاصيل احتفظ بها طوال هذه السنوات، لتظل شاهدًا على تلك الفترة من حياته – وفقا لـ"سليمان".
كرم وحفاوة الأشقاء الأردنيين
كما يتحدث المقاتل "سليمان" دائمًا عن كرم وحفاوة الأشقاء الأردنيين، وعن تعاونهم مع الجنود المصريين، حتى إنهم كانوا يقدمون لهم الطعام عندما علموا بطبيعة مهمتهم، وكانت طبيعة هذه المهام تفرض عليهم التخفي وعدم لفت الأنظار، فكان "سليمان" يظهر في بعض الصور مرتديًا زيًا بدويًا أو ملابس تتناسب مع البيئة المحيطة، حتى لا يثير انتباه العدو أو جواسيسه.
ولم تقتصر مهمة "سليمان" ورفاقه على الاستطلاع وجمع المعلومات، بل شاركوا أيضًا، إلى جانب عناصر وفدائيين مدربين من القوات المسلحة المصرية، في عمليات استهدفت تدمير عدد من الطائرات والمعدات العسكرية للعدو، ومن بين الصور التي يحتفظ بها "سليمان" صورة لأحد رفاقه وهو يحمل جناح طائرة تم تدميرها خلال إحدى تلك العمليات، لتظل الصورة اليوم جزءًا من ذاكرة رجل عاش تلك الأحداث، وشارك بنفسه في واحدة من أصعب مراحل تاريخ مصر الحديث.
اسقاط طائرة العدو
هذه ليست مجرد حكايات يرويها المقاتلين الأبطال الأشاوس عن الماضي مثل الحاج "سليمان"، وإنما جزء من تاريخ عاشه بنفسه، وذكريات لسنوات قضاها في خدمة وطنه، فقد فيها رفاقًا، وتحمل مشاقًا، وأدى واجبه جنديًا في صفوف القوات المسلحة المصرية، وكلما تستمع إلى الحاج "سليمان" وهو يحكي هذه التفاصيل، تشعر أنك لا تستمع فقط إلى قصة جندي على الجبهة، وإنما تستمع إلى جزء من تاريخ وطن، وإلى جيل من الرجال الذين قدموا الكثير دون أن يبحثوا عن مقابل.
وفي ذكرى انتصارات أكتوبر المجيدة، نسأل الله أن يحفظ الحاج/ السيد سليمان ورفاقه الذين شاركوا في هذه الملحمة ولا زالوا على قيد الحياة، وأن يمنّ عليهم بتمام الصحة والعافية، جزاء لما قدموه من جهد وتضحيات في خدمة وطنهم، وأن يبارك في أعمارهم، ويحفظهم لنا سندًا وفخرًا ما حيينا، وأن يغفر لشهداء الوطن جميعاً ويرزقهم الفردوس الأعلى من الجنة.