الإثنين، 28 سبتمبر 2026 04:14 م

كارثة بحرية تهدد بطاريق جنوب أفريقيا.. نفوق جماعي للسردين على امتداد 2600 كم بسبب فيروس خطير.. صراع بين إنقاذ النظام البيئي وحماية آلاف الوظائف.. علماء يطالبون بوقف الصيد لحين تحديد حجم الخسائر

كارثة بحرية تهدد بطاريق جنوب أفريقيا.. نفوق جماعي للسردين على امتداد 2600 كم بسبب فيروس خطير.. صراع بين إنقاذ النظام البيئي وحماية آلاف الوظائف.. علماء يطالبون بوقف الصيد لحين تحديد حجم الخسائر
الإثنين، 28 سبتمبر 2026 04:00 م
كتبت ريهام عبد الله
من شواطئ جنوب أفريقيا إلى سواحل ناميبيا، امتد نفوق جماعي للسردين على مسافة تقارب 2600 كيلومتر، في ظاهرة بحرية غير مسبوقة بهذا الحجم، دفعت العلماء والسلطات إلى البحث عن السبب وتأثيراته المحتملة على النظام البيئي.
وبينما تشير التحقيقات العلمية إلى فيروس الهربس الخاص بالسردين باعتباره العامل الأرجح، تواجه الحكومة معضلة صعبة: كيف تحمي مخزون الأسماك والبطريق الأفريقي المهدد بالانقراض، دون توجيه ضربة قاسية إلى قطاع صيد يوفر آلاف الوظائف ويضخ مليارات الراند في الاقتصاد.
 
نفوق بدأ من الساحل الغربي وامتد آلاف الكيلومترات
بدأت التقارير في أواخر يوليو 2026، عندما أبلغ صيادون قرب خليج سالدانها على الساحل الغربي عن أسماك سردين نافقة تطفو في البحر، ومع بداية أغسطس، بدأت الأسماك النافقة تظهر على شواطئ قرب كيب تاون، قبل أن تمتد البلاغات لاحقًا إلى مناطق أخرى على الساحل.
وبحلول أوائل سبتمبر، وصلت التقارير إلى الساحل الشرقي، بينما سجلت ناميبيا أيضًا حالات نفوق قرب خليج والفيس وسواحل أخرى.
وأكدت وزارة الغابات ومصايد الأسماك والبيئة في جنوب أفريقيا أن المواقع الأبعد التي أبلغ عنها امتدت لنحو 2600 كيلومتر، مع التأكيد على أن النفوق لم يكن متواصلًا على طول هذه المسافة، وأن الصلة بين الحالات في ناميبيا والحدث الجنوب أفريقي لا تزال بحاجة إلى تأكيد مخبري.
 
فيروس الهربس في صدارة التحقيقات
أظهرت الاختبارات المخبرية وجود فيروس هربس السردين «PHV» في الأسماك المتضررة، بما في ذلك عينات من إقليم الكاب الغربي ومنطقة جيكبيرها.
وقالت الوزارة إن النتائج، إلى جانب ارتفاع مستويات الفيروس في الأسماك النافقة ونمط انتشار النفوق، تجعل الفيروس التفسير الأكثر ترجيحًا للظاهرة، مع استمرار التحقيقات لمعرفة دوره بصورة قاطعة وما إذا كانت عوامل بيئية قد ساهمت في تفاقم النفوق.
وكانت جنوب أفريقيا قد بدأت التحقيق في عدة أسباب محتملة، بينها الطحالب الضارة ونقص الأكسجين والظروف المحيطية غير المعتادة.
وأظهرت الفحوصات عدم وجود السموم المرتبطة بأحد أنواع الطحالب الضارة التي كانت موجودة في منطقة خليج سالدانها بتركيزات تشير إلى أنها السبب الرئيسي، فيما ظل احتمال وجود عوامل بيئية مساعدة قيد الدراسة.
 
لماذا يمثل السردين أزمة للبطريق الأفريقي؟
لا يمثل السردين مجرد مورد اقتصادي للصيادين، بل يشكل عنصرًا مهمًا في السلسلة الغذائية البحرية، إذ تعتمد عليه طيور بحرية وثدييات وأسماك مفترسة.
وتزداد أهمية الأمر بالنسبة إلى البطريق الأفريقي المهدد بالانقراض، الذي يرتبط بقاؤه بتوافر الأسماك الصغيرة، وخاصة السردين والأنشوجة.
وتشير مراجعة علمية أعدتها وزارة البيئة الجنوب أفريقية إلى وجود علاقة بين انخفاض كتلة السردين وارتفاع نفوق البطاريق البالغة، مع تسجيل ارتفاع حاد في وفيات البطاريق عندما ينخفض مخزون السردين إلى مستويات منخفضة مقارنة بأقصى كتلة مسجلة.
وبالتالي، فإن استمرار تراجع السردين قد لا يقتصر تأثيره على قطاع الصيد، بل يمكن أن يمتد إلى أنواع بحرية تعتمد عليه كمصدر رئيسي للغذاء.
 
بين حماية السردين وخسائر قطاع الصيد
أثار النفوق الحالي دعوات من علماء ومنظمات بيئية إلى تعليق الصيد التجاري مؤقتًا، لحين معرفة الحجم الحقيقي للخسائر.
في المقابل، حذرت صناعة الصيد من أن إغلاق المصايد سيحمل تكلفة اقتصادية كبيرة على الصيادين والعاملين والمجتمعات الساحلية.
وتعتمد الحكومة على تقييم علمي لموازنة هذه المخاطر، إذ خلصت مجموعة العمل العلمية الخاصة بالمصايد السطحية الصغيرة إلى أن الأدلة المتاحة لم تثبت انخفاضًا في مخزون السردين بالقدر الذي يبرر إغلاق المصايد بالكامل، لكنها أوصت في الوقت نفسه بإجراء احترازي مؤقت لحين توفر معلومات إضافية.
 
قيود مؤقتة على الصيد
في 11 سبتمبر، فرضت وزارة الغابات ومصايد الأسماك والبيئة إجراءً احترازيًا مؤقتًا يقيد الكميات التي يمكن لحائزي حقوق الصيد إنزالها.
وبحسب آخر تحديث رسمي في 21 سبتمبر، يستمر الإجراء حتى 2 أكتوبر، مع السماح لكل صاحب حق بإنزال ما لا يتجاوز 25% من حصته المتبقية من صيد السردين لعام 2026، وأكدت الوزارة أن الظروف قد تستدعي مراجعة القرار قبل موعد انتهائه.
 
المؤشر الحاسم.. مسح المخزون في أكتوبر
تبقى المشكلة الأساسية أن حجم السردين الذي نفق فعليًا غير معروف؛ فالأسماك التي تظهر على الشواطئ لا تمثل بالضرورة كامل الخسائر، إذ يمكن أن تغرق كميات كبيرة في قاع البحر.
ولهذا تنتظر السلطات والعلماء نتائج المسح الصوتي الهيدروأكوستيكي السنوي المقرر خلال أكتوبر ونوفمبر، والذي سيقدم أول تقدير مستقل عن حجم وتوزيع مخزون السردين بعد حادث النفوق.
كما أعلنت الوزارة أن مجموعة العمل العلمية للمصايد السطحية الصغيرة ستجتمع في 29 سبتمبر لمراجعة الأدلة المتاحة وإعادة تقييم إدارة المصايد قبل انتهاء الإجراء المؤقت.
 
هل يصل الخطر إلى البشر؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات على أن فيروس هربس السردين يمثل خطرًا على البشر، وفق وزارة البيئة الجنوب أفريقية، كما أكدت السلطات أن اكتشاف الفيروس لا يعني أن منتجات السردين المعلبة تجاريًا والخاضعة للرقابة غير آمنة.
لكن الوزارة حثت المواطنين على عدم جمع الأسماك النافقة أو أكلها أو إطعامها للحيوانات أو استخدامها كطُعم، بسبب مخاطر التحلل واحتمال انتقال المواد الملوثة.
 
اختبار صعب للتوازن بين البيئة والاقتصاد
تضع أزمة السردين جنوب أفريقيا أمام اختبار معقد: فالمطلوب ليس فقط معرفة سبب نفوق الأسماك، وإنما تحديد حجم الضرر الذي أصاب المخزون وما إذا كان قادرًا على التعافي، ومدى تأثير ذلك على الأنواع البحرية التي تعتمد عليه، وفي مقدمتها البطريق الأفريقي.
وفي الوقت نفسه، يمثل الصيد مصدر دخل لقطاع واسع من العاملين والمجتمعات الساحلية.
ومع اقتراب موعد المسح الهيدروأكوستيكي وقرار السلطات المرتقب بعد اجتماع 29 سبتمبر، ستكون الأرقام العلمية الخاصة بحجم المخزون هي العامل الأهم في تحديد ما إذا كانت القيود المؤقتة ستُرفع، أم تُمدد، أم تتخذ السلطات إجراءات أكثر صرامة لحماية السردين والنظام البيئي البحري.

الأكثر قراءة



print