أكرم الجوهرى رئيس جهاز الإحصاء
لم تعد بيانات السكان والصحة مجرد أرقام تُسجل فى جداول الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، وإنما تحولت إلى أداة لقياس ما تغير داخل الأسرة المصرية خلال السنوات الأخيرة، ورصد اتجاهات الإنجاب وصحة الأم والطفل واستخدام وسائل تنظيم الأسرة، وصولًا إلى تحديد الفجوات التى لا تزال تحتاج إلى تدخلات أكثر دقة.
من هنا تكتسب النتائج الأولية للمسح الصحى للأسرة المصرية 2025 أهميتها، فالمسح لا يقدم صورة منفصلة عن عام واحد، وإنما يتيح مقارنة مباشرة مع نتائج المسح السابق لعام 2021، بما يسمح برصد اتجاهات التغير فى عدد من المؤشرات السكانية والصحية، وتوفير قاعدة بيانات أحدث أمام صانع القرار.
أعلن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، برئاسة اللواء مهندس أكرم أحمد الجوهري، النتائج الأولية للمسح الصحى للأسرة المصرية 2025، خلال مؤتمر عُقد اليوم الأربعاء ، تحت رعاية الدكتور مصطفى مدبولى رئيس مجلس الوزراء، وبحضور الدكتور خالد عبد الغفار وزير الصحة والسكان، والدكتور أحمد رستم وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، وممثلى عدد من المؤسسات والمنظمات الدولية والخبراء المعنيين.

أبرز ما كشفته النتائج، هو تراجع متوسط عدد الأطفال لكل سيدة إلى 2.33 طفل فى 2025، مقابل 2.85 طفل فى المسح السابق عام 2021، بانخفاض نسبته 18.2%.
وبحساب الفارق بين المؤشرين، فإن متوسط الإنجاب انخفض بنحو 0.52 طفل للسيدة خلال الفترة بين المسحين، وهو تغير مهم فى قراءة الاتجاهات السكانية، خاصة أن الهدف الاستراتيجى للخطة العاجلة هو الوصول بمستويات الإنجاب إلى 2.1 طفل لكل سيدة.
وأكد رئيس الجهاز أن هذا التراجع يقترب بمصر من المستوى المستهدف، مشيرًا إلى أن نتائج المسح توفر أساسًا إحصائيًا لمتابعة تنفيذ أهداف الاستراتيجية الوطنية للسكان والتنمية 2023-2030 والخطة العاجلة للإسراع بتحقيق هذه الأهداف.
ولا تعنى هذه الأرقام، فى حد ذاتها، أن انخفاض الإنجاب نتج عن عامل واحد أو سياسة واحدة، وإنما تكشف عن اتجاه إحصائى يمكن من خلاله متابعة التغيرات السكانية، بينما تحتاج نسبة إسناد هذا التغير إلى السياسات والبرامج المختلفة إلى تحليل أوسع للعوامل الاقتصادية والاجتماعية والصحية المصاحبة.

ويمتد التغير إلى أحد المؤشرات الأكثر حساسية فى الملف السكانى، وهو معدل إنجاب المراهقات الأقل من 20 عامًا، فقد انخفض المعدل إلى 34.6 مولود لكل ألف سيدة فى 2025، مقابل 50 مولودًا لكل ألف سيدة عام 2021، بنسبة انخفاض بلغت 31%.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة عند قراءتها إلى جانب تراجع المتوسط العام للإنجاب، لأنها تشير إلى تغير فى أكثر من مؤشر من مؤشرات السلوك الإنجابى، وليس فقط فى المتوسط النهائى لعدد الأطفال لكل سيدة.
وتشير النتائج أيضًا، إلى زيادة استخدام وسائل تنظيم الأسرة طويلة المفعول، ومن بينها اللولب والكبسولات، بما يعكس تغيرًا فى نمط استخدام الوسائل المتاحة لتنظيم الإنجاب.
كما رصد المسح تغيرًا فى اتجاهات الشباب غير المتزوجين، إذ ارتفعت نسبة الموافقين على استخدام وسائل تنظيم الأسرة قبل الحمل الأول بين الفئة العمرية من 15 إلى 29 عامًا إلى 28%، مقابل 18% فقط فى 2021.
وهنا تكتسب بيانات المسح قيمة تتجاوز مجرد قياس معدلات الإنجاب، لأنها ترصد أيضًا بعض الاتجاهات والاتجاهات المعرفية والسلوكية المرتبطة بالقضية السكانية، بما يسمح بقراءة البيئة التى تتشكل فيها القرارات الإنجابية داخل المجتمع.

ولا تتوقف خريطة التغير عند مؤشرات الإنجاب، إذ كشفت النتائج الأولية عن تحسن عدد من مؤشرات رعاية الأم والطفل.
وبلغت نسبة السيدات اللاتى حصلن على رعاية حمل منتظمة 92.4%، فيما وصلت نسبة الولادات التى تمت على يد مقدم خدمة صحية مؤهل إلى 98%، وبلغت نسبة الولادات داخل المنشآت الصحية 96%.
وتكشف هذه المؤشرات عن جانب آخر من الصورة؛ فالقضية السكانية لا ترتبط بعدد المواليد فقط، وإنما تتداخل معها جودة الرعاية الصحية المقدمة للأم والطفل، ومدى وصول السيدات إلى خدمات الحمل والولادة الآمنة.
ويرى الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، أن نتائج المسح السابق لعام 2021 مثلت أساسًا مهمًا فى صياغة ومتابعة الاستراتيجية الوطنية للسكان والتنمية 2023-2030، بينما تأتى نتائج 2025 لتتيح قياس ما طرأ من تغيرات خلال السنوات الأربع التالية.
وأشار رئيس الجهاز إلى أن المسح يقدم تشخيصًا محدثًا وشاملًا للمؤشرات السكانية والصحية، بما يساعد فى تقييم البرامج المطبقة وتحديد المجالات التى تحتاج إلى تدخل خلال المرحلة المقبلة.

وتقوم فكرة المسح فى جوهرها على تحويل الأسرة إلى وحدة قياس لمجموعة واسعة من المؤشرات؛ من عدد الأطفال ومعدلات الإنجاب، إلى صحة الأم والطفل وتنظيم الأسرة، بما يسمح بقراءة العلاقة بين التحولات السكانية والاحتياجات الصحية والاجتماعية.
ومن زاوية التخطيط الاقتصادى والتنموى، أكد الدكتور أحمد رستم، وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، أن المسح الصحى للأسرة المصرية 2025 يمثل إضافة نوعية إلى منظومة البيانات الوطنية، مشيرًا إلى أن البيانات أصبحت موردًا استراتيجيًا وأساسًا لإعداد الخطط وتحديد الأولويات وقياس نتائج البرامج والمبادرات.
ويكتسب هذا الدور أهمية أكبر فى الملف السكانى تحديدًا، لأن تغير عدد السكان وتركيبهم العمرى ومستويات الإنجاب ينعكس على حجم الطلب على الخدمات العامة، من الصحة والتعليم إلى فرص العمل والبنية الأساسية.
وبالتالى فإن قراءة مؤشرات المسح لا تنفصل عن عملية التخطيط، فكل انخفاض أو ارتفاع فى مؤشر سكانى أو صحى يمكن أن يغير تقديرات الاحتياجات المستقبلية، سواء من حيث توزيع الخدمات أو توجيه الاستثمارات إلى المناطق والفئات الأكثر احتياجًا.
من جانبه، أكد الدكتور خالد عبد الغفار، وزير الصحة والسكان، خلال المؤتمر، أن البيانات الناتجة عن المسح تمثل أساسًا لتحديد أولويات المنظومة الصحية، مشيرًا إلى أن نتائج المسح السابق ألقت الضوء على عدد من القضايا الصحية، بينها الولادات القيصرية غير المبررة طبيًا والأنيميا والتقزم والسمنة.
وأشار إلى أهمية تحقيق التوازن بين النمو السكانى والنمو الاقتصادى، موضحًا أن ارتفاع الزيادة السكانية يمكن أن يؤثر على المردود الاقتصادى وعلى قدرة المواطنين على الشعور بتحسن ملموس فى مستوى الخدمات وجودة الحياة.
وتعكس هذه الرؤية طبيعة الترابط بين الملفين السكانى والصحى؛ فخفض معدلات الإنجاب لا يمثل هدفًا منفصلًا عن تحسين جودة الحياة، كما أن تحسين الخدمات الصحية لا يمكن التخطيط له بعيدًا عن معرفة حجم السكان وتركيبهم واحتياجاتهم المتغيرة.

وتتمثل أهمية نتائج 2025 فى أنها لا تكتفى بتقديم صورة عن الوضع الحالى، وإنما توفر، بحسب الجهاز، أساسًا لمتابعة تنفيذ الأهداف الوطنية وتحديد الفجوات التى تحتاج إلى تدخلات جديدة.
كما أن كبر حجم عينة المسح يتيح تحليل النتائج على المستوى القومى والأقاليم والمحافظات، وهو ما يفتح المجال أمام استخدام البيانات فى تحديد المناطق والفئات التى تحتاج إلى مزيد من الخدمات والاستثمارات الصحية والسكانية.
ومن المقرر استكمال نتائج المسح وإعداد التقرير النهائى بنهاية العام الجارى، ليقدم صورة أكثر تفصيلًا عن المؤشرات التى رصدها المسح، ويتيح استخدام البيانات فى توجيه الموارد وتخصيص الاستثمارات وفق الاحتياجات المختلفة.
وهكذا تضع النتائج الأولية للمسح الصحى للأسرة المصرية 2025 مجموعة من الأرقام الجديدة على طاولة التخطيط: 2.33 طفل للسيدة بدلًا من 2.85، انخفاض إنجاب المراهقات إلى 34.6 مولود لكل ألف سيدة، رعاية حمل منتظمة لـ92.4%، و96% من الولادات داخل المنشآت الصحية.
لكن القيمة الحقيقية لهذه الأرقام لا تكمن فى تسجيل التحسن فقط، وإنما فى السؤال الذى تطرحه على المرحلة المقبلة: أين تحقق التغير الأكبر؟ وأين لا تزال الفجوات قائمة؟ وكيف يمكن تحويل البيانات الجديدة إلى تدخلات أكثر استهدافًا وموارد تصل إلى الأسر والمناطق الأكثر احتياجًا؟.
فالمسح، فى النهاية، لا يغلق ملف القضية السكانية، وإنما يفتح فصلًا جديدًا من قياسها بالأدلة والبيانات، ويمنح صانع القرار خريطة أحدث للتحرك خلال السنوات المقبلة.