في مدينة بونيا، عاصمة إقليم إيتوري شمال شرقي جمهورية الكونغو الديمقراطية، بدأت السلطات، حملة جديدة للتعامل مع واحد من أخطر تفشيات الإيبولا التي شهدتها البلاد، عبر تطعيم العاملين في القطاع الصحي والعاملين في الخطوط الأمامية بلقاح «إيرفيبو» (Ervebo)، رغم أن اللقاح مرخص أساسًا ضد سلالة «زائير» من فيروس الإيبولا، وليس سلالة «بونديبوجيو» التي تقف وراء التفشي الحالي.
وتأتي الخطوة بينما تشير أحدث الأرقام الصادرة عن السلطات المحلية إلى تسجيل 7,541 حالة إصابة مؤكدة و3,639 وفاة و1,823 حالة تعافٍ منذ بدء التفشي في مايو الماضي، فيما أصبح إقليم إيتوري مركز الوباء، وسط استمرار انتقال العدوى وتوسعها إلى مناطق جديدة.
وتعكس هذه الخطوة معضلة صحية غير مسبوقة؛ إذ تمتلك السلطات لقاحًا مرخصًا وواسع الاستخدام ضد نوع آخر من الإيبولا، بينما تواجه في الوقت نفسه فيروسًا من نوع مختلف لا يوجد له حتى الآن لقاح مرخص أو علاج نوعي مثبت.
«بونيا» في قلب المواجهة.. حماية العاملين الصحيين أولًا
اختارت السلطات الصحية إعطاء الأولوية للعاملين في الرعاية الصحية وغيرهم من العاملين في الخطوط الأمامية، باعتبارهم من أكثر الفئات تعرضًا للفيروس نتيجة الاتصال المباشر بالمرضى والمشاركة في عمليات الكشف والعلاج والاستجابة للوباء.
وقالت العاملة الصحية نيكول لاندو، عقب تلقيها اللقاح، إنها قررت التطعيم بسبب اتصالها المستمر بالمرضى وارتفاع احتمالات تعرضها للعدوى، مضيفة أن اللقاح قد يوفر لها حماية، حتى إذا لم يمنع الإصابة بصورة كاملة.
وقال الحاكم العسكري لإقليم إيتوري، اللواء جابي كاسونجو مولومبا، إن اختيار العاملين في الخطوط الأمامية ليس عشوائيًا، موضحًا أنهم الأكثر تعرضًا للفيروس والأكثر انخراطًا في جهود الاستجابة، فيما تلقى مولومبا نفسه اللقاح في بونيا.
وتشمل الحملة مناطق بونيا ومونجبوالو في إيتوري، كما تمتد جهود التطعيم إلى مناطق أخرى، بينها إقليم شمال كيفو الذي يشهد استمرارًا في انتقال العدوى.
لماذا يُستخدم لقاح «إيرفيبو» رغم أنه ليس مخصصًا لهذه السلالة؟
تكمن خصوصية الحملة الحالية في أن «إيرفيبو» هو اللقاح الوحيد المرخص والمتاح على نطاق واسع ضد مرض فيروس الإيبولا الناجم عن فيروس زائير، في حين أن فيروس «بونديبوجيو» المسبب للتفشي الحالي ينتمي إلى نوع مختلف.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أنه لا يوجد حاليًا لقاح مرخص لمرض فيروس بونديبوجيو، وأن فعالية «إيرفيبو» ضد هذا الفيروس لدى البشر لا تزال غير معروفة.
وتستند فكرة استخدام «إيرفيبو» في مواجهة «بونديبوجيو» إلى الصلة بين الفيروسين، إلى جانب مؤشرات أولية من الدراسات السابقة، لكن الأدلة المتاحة لم تصل إلى مستوى يسمح باعتبار اللقاح وسيلة مثبتة للوقاية من السلالة الحالية.
ولهذا أوصت مجموعة الخبراء الاستشارية الاستراتيجية التابعة لمنظمة الصحة العالمية «SAGE» في أغسطس الماضي بأن يكون استخدام «إيرفيبو» ضد بونديبوجيو في إطار بروتوكول بحثي، لأن فعاليته لدى البشر لم تثبت بعد.
وبالتالي، فإن حصول العاملين الصحيين على اللقاح لا يعني أن السلطات توصلت إلى دليل على قدرته على وقف العدوى، وإنما يمثل في الوقت نفسه إجراءً وقائيًا ودراسة ميدانية للحصول على بيانات علمية حول مدى فعاليته.
70 ألف جرعة تصل إلى الكونغو.. 50 ألفًا للاستجابة و20 ألفًا للبحث
وافقت الجهات الدولية على تخصيص 70 ألف جرعة من لقاح «إيرفيبو» للكونغو الديمقراطية، وتستهدف الخطة استخدام نحو 50 ألف جرعة للعاملين الصحيين والعاملين في الخطوط الأمامية، بينما تخصص 20 ألف جرعة لدراسة سريرية تهدف إلى معرفة ما إذا كان اللقاح يوفر حماية ضد فيروس بونديبوجيو.
وكانت منظمة الصحة العالمية قد أعلنت في أغسطس تخصيص هذه الجرعات للكونغو، في الوقت الذي كانت فيه البلاد تواجه تصاعدًا سريعًا في أعداد الإصابات والوفيات.
وبحلول منتصف سبتمبر، كان أكثر من 3 آلاف من العاملين الصحيين والعاملين في الخطوط الأمامية قد تلقوا اللقاح، وفق منظمة الصحة العالمية.
دراسة محاولة لحسم جدوى اللقاح
وفي تطور مهم، أطلقت منظمة «أطباء بلا حدود» ومركز «إبيسنتر» للأبحاث الوبائية التابع لها في 19 سبتمبر دراسة تطعيم جديدة تحت اسم BRAVO، بالتعاون مع وزارة الصحة الكونغولية والمراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها والمعهد الوطني الكونغولي للبحوث الطبية وشركاء علميين.
وتهدف الدراسة إلى متابعة العاملين في الخطوط الأمامية الذين يحصلون على «إيرفيبو» وقياس تأثيره في سياق التفشي الحالي.
وتستهدف الدراسة نحو 20 ألف عامل في إقليمي إيتوري وشمال كيفو، وتستمر بين 9 و12 شهرًا، تشمل 3 أشهر للتطعيم وما لا يقل عن 6 أشهر من المتابعة.
وتكتسب الدراسة أهمية خاصة لأنها قد توفر بيانات واقعية حول ما إذا كان اللقاح قادرًا على تقليل خطر الإصابة أو شدة المرض الناجم عن فيروس بونديبوجيو.
وشددت «أطباء بلا حدود» في إعلانها عن الدراسة على أن التطعيم لا يحل محل إجراءات الوقاية من العدوى ومكافحتها، مثل معدات الحماية الشخصية والإجراءات الآمنة داخل المنشآت الصحية وسرعة الإبلاغ عن الأعراض.
التفشي يتجاوز 7 آلاف إصابة.. والكونغو تدخل مرحلة غير مسبوقة
بحسب منظمة الصحة العالمية، تجاوز تفشي بونديبوجيو في الكونغو الديمقراطية أعداد الإصابات المسجلة في أكبر تفشٍ سابق للإيبولا في البلاد، والذي وقع بين عامي 2018 و2020 وسجل 3,317 حالة مؤكدة.
وفي تحديث منظمة الصحة العالمية في 13 سبتمبر، كانت الكونغو قد سجلت 7,258 حالة مؤكدة و3,510 وفيات، مع انتشار الفيروس في 62 منطقة صحية عبر سبعة أقاليم، بعد تسجيل أول حالة مؤكدة في إقليم سود-أوبانجي الحدودي مع جمهورية أفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو.
أما أحدث الأرقام المحلية المعلنة السبت 19 سبتمبر، فرفعت الحصيلة إلى 7,541 إصابة و3,639 وفاة.
وبهذه الأرقام أصبح التفشي الحالي، وفق رويترز، ثاني أكثر تفشيات الإيبولا فتكًا على الإطلاق بعد تفشي غرب أفريقيا بين 2014 و2016، الذي أودى بحياة أكثر من 11 ألف شخص.
إيتوري.. مركز الوباء رغم مؤشرات التراجع
ظل إقليم إيتوري مركز التفشي منذ ظهوره في مايو، وسجل حتى تحديث منظمة الصحة العالمية في 7 سبتمبر 5,406 حالات مؤكدة، أي النسبة الأكبر من إجمالي الإصابات في البلاد.
لكن الصورة الوبائية بدأت تتغير؛ ففي 16 سبتمبر قالت منظمة الصحة العالمية إن هناك مؤشرات مشجعة على انخفاض انتقال العدوى في المناطق الأكثر تضررًا داخل إيتوري.
وفي المقابل، حذرت المنظمة من أن التفشي «لم ينتهِ»، في ظل ارتفاع حركة السكان وصعوبة السيطرة على انتقال الفيروس عبر المناطق المتحركة سكانيًا، كما أشارت إلى أن تحسن عمليات الرصد وتتبع المخالطين يمكن أن يؤدي في الوقت نفسه إلى اكتشاف المزيد من الحالات المسجلة.
سبعة أقاليم تحت تأثير الفيروس.. والحدود تزيد المخاوف
لم يعد التفشي محصورًا في إيتوري، فبحسب تحديث منظمة الصحة العالمية في 13 سبتمبر، أصبح الفيروس موجودًا في سبعة أقاليم هي إيتوري وشمال كيفو وجنوب كيفو وهوت-أويلي وباس-أويلي وتيشوبو وسود-أوبانجي، مع إصابات في 62 منطقة صحية.
وتثير هذه الخريطة المتوسعة مخاوف إضافية بسبب حركة السكان والتجارة ووجود طرق عبور رسمية وغير رسمية عبر الحدود.
وتقول منظمة الصحة العالمية إن استمرار انتقال العدوى يفرض مخاطر مرتبطة بانتقال الفيروس عبر الحدود، بينما تجعل المعابر غير الرسمية عملية الرصد والسيطرة أكثر صعوبة.
الأمن والنزوح والفقر.. عوامل تعقد مهمة السيطرة
لا يتحرك الفيروس في فراغ صحي، بل ينتشر داخل بيئة إنسانية وأمنية شديدة التعقيد، وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن انعدام الأمن والنزوح يحدان من قدرة فرق الاستجابة على الوصول إلى المناطق المتضررة، ويعوقان عمليات الترصد والتحقيق في الحالات وتتبع المخالطين.
كما تواجه بعض المجتمعات، خصوصًا مناطق التعدين والتجمعات غير الرسمية ومواقع النازحين، مشكلات مرتبطة بالاكتظاظ ومحدودية خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية، فضلًا عن صعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية.
وتزيد هذه الظروف من صعوبة اكتشاف الحالات في وقت مبكر، وتطبيق إجراءات مكافحة العدوى، والوصول إلى المرضى وتوفير الرعاية لهم قبل تدهور حالتهم.
علاج بلا دواء مرخص.. وتجارب تبحث عن مخرج
لا تتوقف الفجوة الطبية عند اللقاح، ففيروس بونديبوجيو لا يوجد له حتى الآن علاج نوعي مرخص، وهو ما دفع منظمة الصحة العالمية وشركاءها إلى إجراء تجارب للبحث عن علاجات محتملة.
وبدأت في يوليو تجربة PARTNERS لاختبار علاجات للمرض، ووفق أحدث بيانات منظمة الصحة العالمية المنشورة في سبتمبر، كانت التجربة مفتوحة في خمس منشآت للعلاج السريري داخل إيتوري، وقد سجلت أكثر من 300 شخص من الحالات المؤكدة.
وفي الوقت نفسه، يجري العمل على تطوير لقاحات تستهدف بونديبوجيو بصورة مباشرة، مع وجود مرشحين من جهات بحثية وشركات.
هل تتجه الأزمة إلى الانحسار؟
رغم المؤشرات التي رصدتها منظمة الصحة العالمية على انخفاض انتقال العدوى في أجزاء من إيتوري، فإن الصورة الوطنية لا تزال متباينة.
فمنظمة الصحة العالمية قالت إن التفشي «بعيد عن الانتهاء»، بينما تواصل بعض المناطق تسجيل انتقال نشط للفيروس، وبرز شمال كيفو باعتباره أحد مصادر القلق مع استمرار ارتفاع الحالات فيه.
كما أن تحسن القدرة على اكتشاف الحالات وتوسيع عمليات الفحص والتتبع قد يؤدي إلى ارتفاع الأعداد المسجلة حتى في حال تراجع بعض سلاسل الانتقال، وهو ما يجعل قراءة الاتجاه العام للتفشي أكثر تعقيدًا.
وفي 17 مايو 2026، أعلنت منظمة الصحة العالمية أن تفشي بونديبوجيو في الكونغو الديمقراطية وأوغندا يمثل حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقًا دوليًا، ولا يزال التفشي مدرجًا ضمن هذا الإطار الدولي للاستجابة.