الخميس، 17 سبتمبر 2026 10:43 ص

حرية الملاحة الدولية في مضيقي باب المندب وهرمز بين قواعد القانون الدولي للبحار ومسؤولية مجلس الأمن في مواجهة التهديدات.. 20 عنصراً لتوضيح أهمية دول المشاطئة باتفاقية قانون البحار.. ومجلس الأمن يتصدى للأزمة

حرية الملاحة الدولية في مضيقي باب المندب وهرمز بين قواعد القانون الدولي للبحار ومسؤولية مجلس الأمن في مواجهة التهديدات.. 20 عنصراً لتوضيح أهمية دول المشاطئة باتفاقية قانون البحار.. ومجلس الأمن يتصدى للأزمة  المضايق والقانون الدولى
الخميس، 17 سبتمبر 2026 09:00 ص
كتب علاء رضوان

تواجه منطقة الشرق الأوسط واحدة من أخطر الأزمات التي تمس الأمن الإقليمي وحركة التجارة والطاقة العالمية، في ظل التطورات العسكرية المتسارعة في اليمن، والتقدم الذي أحرزته جماعة الحوثيين على الساحل الغربي اليمني واقترابها من منطقة باب المندب، بالتزامن مع تصاعد التوترات المرتبطة بمضيق هرمز.

 

ولا تكمن خطورة هذه التطورات في بعدها العسكري أو السياسي فحسب، وإنما تمتد إلى صميم قواعد القانون الدولي للبحار وإلى أحد أهم المبادئ التي يقوم عليها النظام الاقتصادي العالمي، وهو حرية الملاحة الدولية وعدم تحويل الممرات البحرية الدولية إلى أدوات للضغط السياسي أو العسكري.   

 

كحم

 

حرية الملاحة الدولية في مضيقي باب المندب وهرمز

 

في التقرير التالى، يلقى "برلماني" الضوء على حرية الملاحة الدولية في مضيقي باب المندب وهرمز بين قواعد القانون الدولي للبحار ومسؤولية مجلس الأمن في مواجهة تهديدات الحوثيين، حيث تكتسب المسألة أهمية استثنائية، لأن مضيق باب المندب يمثل حلقة الوصل البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، بينما يمثل مضيق هرمز منفذًا بحريًا رئيسيًا للخليج إلى خليج عمان وبحر العرب – بحسب الخبير القانوني والمحامى بالنقض هانى صبرى.

 

في البداية - قد أكد مجلس الأمن بالفعل، في قراره رقم 2722 لسنة 2024، أن ممارسة الحقوق والحريات الملاحية للسفن التجارية في البحر الأحمر، بما في ذلك السفن العابرة لباب المندب، وفقًا للقانون الدولي، يجب احترامها، وطالب جماعة الحوثيين بوقف الهجمات على السفن التجارية والإفراج عن السفينة - Galaxy Leader - وطاقمها، كما أشار القرار إلى حق الدول، وفقًا للقانون الدولي، في الدفاع عن سفنها من الهجمات التي تقوض الحقوق والحريات الملاحية، ومن ثم فإن حماية الملاحة في باب المندب ليست مجرد مطلب سياسي أو أمني، وإنما لها أساس واضح في قواعد القانون الدولي – وفقا لـ"صبرى". 

 

ثيبل

 

أولًا: باب المندب مضيق دولي يخضع لنظام قانوني خاص

 

تضع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 الإطار القانوني الأساسي للمضايق المستخدمة للملاحة الدولية، وتنص المادة 37 من الاتفاقية على أن نظام المرور العابر ينطبق على المضايق المستخدمة للملاحة الدولية التي تصل بين جزء من أعالي البحار أو المنطقة الاقتصادية الخالصة وجزء آخر من أعالي البحار أو المنطقة الاقتصادية الخالصة، وتنص المادة 38 على أن جميع السفن والطائرات تتمتع بحق المرور العابر، ولا يجوز إعاقته، ويقصد بالمرور العابر ممارسة حرية الملاحة والتحليق بغرض العبور المستمر والسريع للمضيق، وهذا النظام يختلف بصورة جوهرية عن نظام المرور البريء – طبقا للخبير القانونى.

 

فالمرور العابر نظام خاص بالمضايق التي ينطبق عليها الباب الثالث من الاتفاقية، ويهدف إلى تحقيق التوازن بين: سيادة الدول المشاطئة للمضيق؛ وضرورة عدم تعطيل الاتصال البحري الدولي، ومن ثم، فإن سيادة الدولة الساحلية على مياهها الإقليمية لا تعني امتلاكها سلطة مطلقة لتعطيل المرور الدولي، وتنص المادة 34 من الاتفاقية على أن سيادة الدول المشاطئة للمضيق تُمارس مع مراعاة نظام المرور الخاص بالمضايق المستخدمة للملاحة الدولية – هكذا يقول "صبرى". 

 

ظظههسس

 

ثانيًا: المادة 44 تضع قيدًا بالغ الأهمية على الدول المشاطئة

 

تكتسب المادة 44 من اتفاقية قانون البحار أهمية استثنائية، فهي تقرر التزام الدول المشاطئة للمضايق بعدم إعاقة المرور العابر، كما تلزمها بإعطاء الدعاية والإعلان المناسبين عن أي خطر على الملاحة أو التحليق تعلم بوجوده داخل المضيق، والأهم أن المادة تنص صراحة على أنه: لا يجوز تعليق المرور العابر، وهذا يعني أن النظام القانوني للمرور العابر صُمم تحديدًا لمنع استخدام السيادة الإقليمية على مياه المضيق وسيلةً لإغلاق الطريق البحري الدولي، ومن هنا فإن أي محاولة لفرض إغلاق دائم أو تعطيل منهجي للملاحة الدولية في مضيق ينطبق عليه نظام المرور العابر تثير مسألة جدية من مسائل المسؤولية الدولية – الكلام لـ"صبرى".

 

ثالثًا: لا يجوز الخلط بين باب المندب ومضيق هرمز من الناحية القانونية

 

من الضروري تصحيح خطأ شائع في الخطاب السياسي والإعلامي، وإيران ليست دولة مشاطئة لمضيق باب المندب، فباب المندب يقع عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وتجاوره من الجانب الآسيوي اليمن، ومن الجانب الأفريقي جيبوتي وإريتريا، أما مضيق هرمز فتتصل به إيران وسلطنة عُمان، وبالتالي، فإن إيران لا تمتلك، من حيث الأصل، أي سيادة إقليمية على مياه باب المندب تمكنها من إغلاق المضيق أو تنظيم المرور فيه باعتبارها دولة مشاطئة – كما يرى "صبرى".

 

وإذا ثبت أن دولة غير مشاطئة للمضيق قدمت دعمًا ماديًا أو عسكريًا أو استخباراتيًا أو تقنيًا لجهة مسلحة تستخدم القوة لتعطيل الملاحة الدولية، فإن المسألة تنتقل من نطاق حقوق الدولة الساحلية إلى نطاق مختلف يتعلق بالمسؤولية الدولية عن المساعدة أو الدعم لأفعال غير مشروعة دوليًا، وذلك بحسب طبيعة السلوك والأدلة المتاحة والقواعد القانونية المنطبقة، وهنا يجب التفريق بين المسؤولية الدولية لإيران عن فعل محدد يمكن إثبات نسبته إليها وفق قواعد القانون الدولي وبين مجرد وجود علاقة سياسية أو عسكرية أو أيديولوجية بينها وبين جماعة الحوثيين – كما أوضح الخبير القانونى. 

 

ممثي

 

رابعًا: المرور العابر ليس حقًا بلا التزامات

 

كما أن الدول المشاطئة لا يجوز لها تعطيل المرور العابر، فإن السفن والطائرات التي تتمتع بهذا الحق ليست مطلقة الحرية في القيام بأي نشاط، فالمادة 39 من اتفاقية قانون البحار تفرض على السفن والطائرات أثناء المرور العابر التزامات محددة، من بينها:

1- المرور دون تأخير.

2- الامتناع عن التهديد باستعمال القوة أو استعمالها ضد سيادة الدولة المشاطئة أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي

3- الامتناع عن الأنشطة التي لا تتصل بالمرور الطبيعي والمستمر.

4- احترام قواعد السلامة البحرية.

5-الالتزام بالقواعد الدولية المتعلقة بمنع التلوث البحري.  

 

ملحوظة:

 

ومن ثم فإن حماية حرية الملاحة لا تعني إلغاء سيادة الدول المشاطئة أو إعفاء السفن من قواعد القانون الدولي، وإنما تعني أن ممارسة السيادة يجب أن تتم داخل الإطار الذي رسمته اتفاقية قانون البحار. 

 

هرمز 2

 

خامسًا: لا يجوز للدولة المشاطئة استخدام التنظيم البحري ذريعة لتعطيل الملاحة

 

تسمح المادة 42 من اتفاقية قانون البحار للدول المشاطئة بوضع قوانين ولوائح تتعلق بالمرور العابر في مجالات محددة، مثل: سلامة الملاحة؛ تنظيم حركة السفن؛ منع التلوث؛ تنظيم الصيد؛ وبعض المسائل الجمركية والصحية، لكن هذه القوانين لا يجوز أن تكون تمييزية، ولا يجوز أن يكون تطبيقها من شأنه عمليًا إنكار أو إعاقة أو إضعاف حق المرور العابر.  

 

وبالتالي، فإن أي محاولة لتحويل التصاريح أو الإجراءات الإدارية إلى وسيلة للتحكم السياسي في السفن التجارية الدولية يمكن أن تثير مسألة توافق هذه الإجراءات مع المادة 42، وقد سبق لمجلس الأمن الدولي أن أعرب في مارس 2024 عن قلقه إزاء إعلان الحوثيين اشتراط الحصول على تصريح من ما سمي بـ"هيئة الشؤون البحرية" التابعة لهم قبل دخول السفن إلى المياه اليمنية، معتبرًا أن ذلك يثير مخاوف بشأن حرية الملاحة التجارية والعمليات الإنسانية. 

 

ححيي

  

سادسًا: استهداف السفن التجارية يختلف قانونًا عن مجرد وجود نزاع مسلح

 

لا يمكن النظر إلى استهداف السفن التجارية باعتباره مجرد امتداد طبيعي للنزاع الداخلي في اليمن، فعندما تمتد الأعمال العدائية إلى السفن التجارية والممرات البحرية الدولية، تتداخل عدة فروع من القانون الدولي: "القانون الدولي للبحار، والقانون الدولي الإنساني، وقانون المسؤولية الدولية، ونظام الأمن الجماعي المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة".  

 

وقد أكد مجلس الأمن الدولي في القرار 2722 أن هجمات الحوثيين على السفن التجارية في البحر الأحمر تعرقل التجارة العالمية وتقوض الحقوق والحريات الملاحية والسلام والأمن الإقليميين، كما أدان مجلس الأمن في مارس 2024 هجمات الحوثيين على السفن التجارية، بما فيها الهجوم على السفينة True Confidence الذي أسفر عن مقتل بحارة، والهجوم على السفينة - Rubymar - التي غرقت لاحقًا وأصبحت خطرًا على الملاحة، وهذا يكشف أن المجتمع الدولي نفسه لم يتعامل مع هذه الهجمات باعتبارها مجرد مسألة داخلية يمنية. 

 

ممسس

 

سابعًا: تهديد الملاحة الدولية قد يرتبط بمسؤولية دولية

 

تقوم المسؤولية الدولية، في صورتها العامة، على وجود فعل أو امتناع يمكن نسبته إلى دولة ويشكل خرقًا لالتزام دولي نافذ عليها، لكن هذه القاعدة تفرض ضرورة التمييز بين: "الفعل الصادر مباشرة عن دولة، والفعل الصادر عن جماعة مسلحة غير حكومية"، فليس كل فعل ترتكبه جماعة مسلحة يمكن تلقائيًا نسبته قانونًا إلى دولة أخرى.

 

وفي الحالة المتعلقة بإيران والحوثيين، فإن تحديد المسؤولية الدولية الإيرانية يتطلب أدلة على طبيعة العلاقة، وعلى نوع الدعم المقدم، ومدى علم الدولة به، وما إذا كانت الوقائع تستوفي شروط قواعد المسؤولية الدولية ذات الصلة، وهذا يختلف عن القول السياسي العام بأن "الحوثيين تابعون لإيران"، فالتوصيف السياسي لا يغني عن إثبات عناصر المسؤولية القانونية. 

 

ههؤؤ

 

ثامنًا: مجلس الأمن الدولي سبق أن وضع نظام عقوبات خاصًا باليمن والحوثيين

 

لا يبدأ الدور الدولي من الصفر، فمجلس الأمن أنشأ بموجب القرار 2140 لسنة 2014 نظام عقوبات متعلقًا باليمن، وشمل تجميد الأصول وحظر السفر بالنسبة للأشخاص والكيانات المدرجة، ثم جاء القرار 2216 لسنة 2015 وفرض حظرًا مستهدفًا على الأسلحة بالنسبة للأفراد والكيانات المحددة، ودعا الدول إلى منع توريد أو بيع أو نقل الأسلحة والمعدات ذات الصلة إلى الأشخاص والكيانات المشمولة بالنظام.  

 

كما أدرج مجلس الأمن جماعة الحوثيين نفسها في نظام الحظر المستهدف للأسلحة بموجب القرار 2624 لسنة 2022، مشيرًا إلى أعمال تهدد السلام والأمن والاستقرار في اليمن، ومن بينها هجمات على الملاحة التجارية في البحر الأحمر، وهذا أمر بالغ الأهمية من الناحية القانونية، فالمجتمع الدولي لا يواجه جماعة الحوثيين للمرة الأولى في إطار نظام العقوبات، وإنما توجد بالفعل بنية قانونية أممية قائمة.

 

هرمز

 

تاسعًا: المشكلة القانونية تتمثل في مدى فعالية تنفيذ نظام العقوبات  

 

السؤال الأكثر أهمية الآن ليس فقط: هل توجد عقوبات دولية؟ بل: هل يجري تنفيذها بصورة فعالة لمنع وصول الأسلحة والمعدات والخبرات التي تمكن الجماعة من تهديد الملاحة؟ فقرار 2216 ألزم الدول باتخاذ التدابير اللازمة لمنع الإمداد المباشر أو غير المباشر بالأسلحة والمعدات ذات الصلة إلى الأشخاص والكيانات المشمولة بالحظر، كما دعا الدول المجاورة لليمن إلى إجراء عمليات تفتيش، وفق قوانينها الوطنية والقانون الدولي، عندما تتوافر أسباب معقولة للاعتقاد بأن الشحنات تحتوي على مواد محظورة، وقد أكد مجلس الأمن لاحقًا أهمية التنفيذ الكامل لنظام حظر الأسلحة، كما دعا إلى منع الحوثيين من الحصول على الأسلحة والمعدات اللازمة لتنفيذ الهجمات.

 

عاشرًا: وماذا عن الدور الإيراني؟

 

هنا يجب أن يكون التحليل القانوني دقيقًا، هناك تقارير وبيانات دولية تناولت نقل أسلحة ومكونات عسكرية إيرانية الصنع أو مرتبطة بإيران إلى الحوثيين، كما أثيرت داخل مجلس الأمن الدولي مسألة الإمدادات الإيرانية للحوثيين وانتهاك حظر الأسلحة، لكن إسناد المسؤولية القانونية الدولية إلى إيران عن كل هجوم حوثي يتطلب أكثر من إثبات وجود دعم أو صلات سياسية، ويتعين، بحسب الواقعة محل البحث، تحديد:

 

1- طبيعة الدعم.

2- الجهة التي قدمته.

3- علم الجهة الداعمة بالغرض الذي سيستخدم فيه.

4- العلاقة القانونية بين الدعم والفعل غير المشروع.

5- مدى انطباق قواعد المسؤولية الدولية أو قواعد القانون الدولي الأخرى.

ملحوظة:

ومن ثم فإن الموقف القانوني الأقوى هو المطالبة بالتحقيق الدولي في أي نقل للأسلحة أو التكنولوجيا أو الدعم العسكري الذي يخالف قرارات مجلس الأمن الدولي، بدلًا من افتراض المسؤولية القانونية بصورة مجردة.   

 

ااصصس

 

الحادي عشر: مجلس الأمن الدولي هو الآلية الأساسية لحماية السلم والأمن الدوليين

 

تمنح المادة 24 من ميثاق الأمم المتحدة مجلس الأمن المسؤولية الرئيسية عن حفظ السلم والأمن الدوليين، كما تمنح المادة 25 قرارات مجلس الأمن الصادرة وفق الميثاق قوة إلزامية للدول الأعضاء في الحدود التي يقررها القانون، وتنص المادة 39 على أن مجلس الأمن يحدد وجود أي تهديد للسلم أو إخلال به أو عمل من أعمال العدوان، ثم يقدم توصيات أو يقرر التدابير الواجب اتخاذها وفقًا للمادتين 41 و42، ومن هنا فإن تهديد الملاحة الدولية، إذا بلغ مستوى يهدد السلم والأمن الدوليين، يمكن أن يدخل بصورة واضحة في نطاق اختصاص مجلس الأمن.

 

الثاني عشر: ما التدابير التي يستطيع مجلس الأمن اتخاذها؟

 

إذا خلص مجلس الأمن إلى وجود تهديد للسلم والأمن الدوليين، فإن المادة 41 من الميثاق تتيح له اتخاذ تدابير لا تتضمن استخدام القوة المسلحة، ومن أمثلتها: تجميد الأصول؛ حظر السفر؛ حظر توريد الأسلحة؛ القيود المالية؛ القيود على التعاملات الاقتصادية؛ تدابير موجهة ضد الأشخاص والكيانات المسؤولة عن تهديد السلام والأمن، أما المادة 42 فتتعلق بالتدابير التي قد تتضمن استخدام القوة عندما يرى المجلس أن التدابير غير العسكرية غير كافية، ومن ثم فإن حماية الملاحة الدولية يمكن أن تبدأ قانونًا من تشديد تنفيذ العقوبات القائمة، وتطوير آليات الرصد والتحقيق ومنع نقل الأسلحة، قبل الانتقال – إذا قرر المجلس وفق الميثاق – إلى تدابير أشد.

 

هرمز 3

 

الثالث عشر: هل يمكن لمجلس الأمن فرض عقوبات على إيران؟

 

من الناحية القانونية المجردة، يملك مجلس الأمن، متى توافرت الشروط السياسية والقانونية اللازمة وتوافرت أغلبية التصويت المطلوبة وعدم استخدام حق النقض، أن يتخذ تدابير بموجب الفصل السابع ضد دولة أو أشخاص أو كيانات مرتبطة بسلوك يشكل تهديدًا للسلم والأمن الدوليين، لكن يجب التفريق بين: العقوبات على إيران كدولة، والعقوبات المستهدفة ضد أفراد أو كيانات إيرانية مرتبطة بنقل الأسلحة أو دعم جماعات مسلحة، والخيار الثاني قد يكون أكثر تحديدًا من الناحية القانونية عندما تكون الأدلة متعلقة بأشخاص أو شبكات أو عمليات محددة.

 

أما العقوبات الشاملة على دولة بأكملها فتحتاج إلى قرار من مجلس الأمن يستند إلى الفصل السابع، فضلًا عن الاعتبارات السياسية والإجرائية المرتبطة بتكوين المجلس وحق النقض، ولهذا فإن الدعوة إلى "معاقبة إيران" يجب أن تتحول في الخطاب القانوني إلى مطالبة بإعمال آليات المسؤولية والعقوبات الأممية تجاه أي أشخاص أو كيانات أو شبكات يثبت تورطها في مخالفة قرارات مجلس الأمن أو تهديد السلم والأمن الدوليين، مع بحث التدابير المناسبة تجاه الدولة إذا توافرت الأسس القانونية لذلك.

 

ههسس

 

الرابع عشر: حماية باب المندب ليست حماية لدولة بعينها وإنما للنظام الملاحي الدولي

 

من الخطأ اختزال قضية باب المندب في كونها نزاعًا بين اليمن والسعودية أو بين الحوثيين ودول إقليمية، فالمضيق يخدم: التجارة الدولية؛ وحركة الحاويات؛ نقل الطاقة؛ الإمدادات الإنسانية؛ حركة السفن بين آسيا وأوروبا؛ والاقتصاد العالمي بوجه عام، ولهذا فإن استهداف السفن التجارية أو تهديدها لا يصيب دولة العلم وحدها، وإنما يؤثر في منظومة التجارة الدولية، وقد أكدت الأمم المتحدة أن البحر الأحمر وباب المندب يمثلان طريقًا بحريًا ذا أهمية حيوية، وأن هجمات الحوثيين على السفن التجارية تهدد سلامة الملاحة وسلاسل الإمداد العالمية.  

 

الخامس عشر: حماية الملاحة لا تعني إطلاق يد القوة العسكرية

 

وهذه نقطة ضرورية في أي تحليل قانوني جاد، إن الاعتراف بحق الدول في الدفاع عن سفنها لا يعني منحها تفويضًا غير محدود لاستخدام القوة، فالقرار 2722 نفسه أكد حق الدول في الدفاع عن سفنها وفقًا للقانون الدولي، مع التأكيد على أن الهجمات على الملاحة الدولية غير مقبولة. 

 

غغسس

 

السادس عشر: مضيق هرمز – وضع قانوني مختلف لكنه متصل بالأزمة

 

أما مضيق هرمز، فإنه يخضع من حيث المبدأ أيضًا لنظام المضايق المستخدمة للملاحة الدولية متى توافرت شروط المادة 37، وتنطبق عليه قواعد المرور العابر، بما في ذلك المادة 38 المتعلقة بحق السفن والطائرات في المرور العابر والمادة 44 التي تحظر على الدول المشاطئة إعاقة المرور العابر أو تعليقه، ولكن يجب مراعاة أن الوضع الجغرافي والسياسي لمضيق هرمز مختلف عن باب المندب.  

 

فإيران دولة مشاطئة لهرمز، ولذلك فإن أي نزاع حول تنظيم المرور في هرمز يدخل مباشرة في إطار العلاقة بين الدولة المشاطئة وحقوق الملاحة الدولية، وهنا تكتسب المادة 34 أهمية خاصة، لأنها تؤكد أن ممارسة الدول المشاطئة لسيادتها على مياه المضيق تكون خاضعة للنظام القانوني الخاص بالمضايق المستخدمة للملاحة الدولية.  

 

ظظههسس

 

السابع عشر: هل يجوز "إغلاق" مضيق هرمز من الناحية القانونية؟

 

من منظور قانون البحار، لا تملك الدولة المشاطئة سلطة مطلقة لتعليق نظام المرور العابر، فالمادة 44 صريحة في تقرير عدم جواز تعليق المرور العابر، ومن ثم فإن أي إجراء يستهدف الإغلاق الفعلي للمضيق أو تعطيل المرور الدولي بصورة منهجية يثير مسائل قانونية دولية خطيرة، لكن تقييم كل واقعة على حدة يظل ضروريًا.

 

الثامن عشر: حماية المدنيين اليمنيين جزء لا يتجزأ من الحل القانوني

 

لا يجوز أن تتحول حماية الملاحة الدولية إلى مبرر لتجاهل الأزمة الإنسانية داخل اليمن، فالقانون الدولي الإنساني يفرض حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، ويحظر استهداف المدنيين والأعيان المدنية، كما يفرض قواعد تتعلق بالتمييز والتناسب والاحتياطات أثناء العمليات العسكرية، وقد أدرج مجلس الأمن ضمن معايير العقوبات المتعلقة باليمن الأفعال التي تهدد السلام والأمن والاستقرار، والانتهاكات للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، وإعاقة المساعدات الإنسانية، وبالتالي فإن حماية الملاحة وحماية المدنيين ليستا هدفين متعارضين، بل إنهما جزءان من منظومة واحدة لحماية السلم والأمن الدوليين.

 

رئيسية

 

التاسع عشر: ما الذي ينبغي أن يفعله المجتمع الدولي قانونًا؟

 

في ضوء القواعد السابقة، يمكن تحديد مجموعة من التدابير القانونية والمؤسسية التي يمكن لمجلس الأمن والدول الأعضاء النظر فيها:

 

1 – تعزيز تنفيذ القرار 2216

خصوصًا فيما يتعلق بمنع نقل الأسلحة والمعدات العسكرية المحظورة إلى الحوثيين.

2 – تعزيز آليات التحقيق

للكشف عن شبكات تهريب الأسلحة والمكونات الصاروخية والطائرات المسيرة والتكنولوجيا العسكرية.

3 – استهداف شبكات التمويل

من خلال تجميد الأصول وفرض القيود المالية على الأشخاص والكيانات التي يثبت استخدامها لتمويل الهجمات.

4 – فرض تدابير موجهة ضد المسؤولين عن تهديد الملاحة

عندما تتوافر أدلة موثوقة على تورط أشخاص أو كيانات محددة.

5 – التحقيق في أي نقل أسلحة من إيران أو غيرها

مع تحديد المسؤولية وفق الأدلة وقواعد القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن.

6 – تعزيز الأمن البحري

من خلال التعاون الدولي والإقليمي مع المنظمة البحرية الدولية والدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن.

7 – إنشاء آلية دولية أكثر فعالية لرصد الهجمات

وتحديد الجهات المسؤولة عنها، وتوثيق الأدلة التي يمكن استخدامها في المسارات القضائية والدبلوماسية.

8 – ضمان استمرار المساعدات الإنسانية

حتى لا تؤدي الإجراءات الأمنية والعسكرية إلى تفاقم الأزمة الإنسانية اليمنية.

 

ههؤؤ

 

العشرون: نحو إطار دولي لحماية حرية الملاحة في باب المندب  

 

إن التطورات الحالية تستدعي التفكير في إطار دولي وإقليمي أكثر استدامة لحماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، فالمعالجة الأمنية المؤقتة قد تمنع هجومًا أو تحمي سفينة، لكنها لا تعالج جذور المشكلة، أما الحل المستدام فيحتاج إلى:

أولًا: وقف استهداف السفن التجارية.

ثانيًا: تنفيذ حظر الأسلحة القائم.

ثالثًا: تجفيف مصادر تمويل الهجمات.

رابعًا: دعم مؤسسات الدولة اليمنية المعترف بها دوليًا.

خامسًا: احترام القانون الدولي الإنساني.

سادسًا: دعم المسار السياسي لإنهاء النزاع اليمني.

سابعًا: ضمان عدم استخدام الممرات البحرية الدولية كأداة في الصراعات الإقليمية.

 

حرية الملاحة الدولية في مضيق باب المندب

 

ويضيف "صبرى": ونرى، إن حرية الملاحة الدولية في مضيق باب المندب ليست امتيازًا تمنحه دولة لأخرى، وإنما هي حق تحكمه قواعد القانون الدولي للبحار ونظام المرور العابر في المضايق المستخدمة للملاحة الدولية، وقد أكدت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار أن المرور العابر لا يجوز إعاقته أو تعليقه، كما أكدت قرارات مجلس الأمن أن الحقوق والحريات الملاحية للسفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب يجب احترامها وفقًا للقانون الدولي.  

 

 

وتابع: كما أن استهداف السفن التجارية وتهديد سلامة البحارة وتعطيل التجارة الدولية ليست مجرد أفعال تقع داخل حدود نزاع محلي، وإنما يمكن أن تكون لها آثار مباشرة على السلم والأمن الدوليين، وفي هذا السياق، يملك مجلس الأمن الدولي أدوات قانونية واسعة بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، تبدأ بتشديد تنفيذ نظام العقوبات وحظر الأسلحة القائمين بالفعل، وتمتد – إذا توافرت الشروط القانونية والسياسية اللازمة – إلى فرض تدابير إضافية وموجهة ضد الأشخاص والكيانات والشبكات التي يثبت تورطها في تهديد الملاحة أو نقل الأسلحة المحظورة أو تمويل الهجمات، والهدف من هذه التدابير حماية للسلم والأمن الدوليين، ومساءلة الجهات التي تثبت مسؤوليتها وفق القانون الدولي.

 

باب المندب وإيران

 

وفيما يتعلق بإيران، فإذا ثبت قيام أفراد أو كيانات إيرانية بتقديم دعم أو أسلحة أو تكنولوجيا أو تمويل بما يخالف قرارات مجلس الأمن أو يسهم بصورة غير مشروعة في تهديد الملاحة الدولية، فإن ذلك يبرر بحث تدابير دولية موجهة في إطار الاختصاصات التي يقررها ميثاق الأمم المتحدة ضد إيران، أما باب المندب، فلا يجوز اختزاله في الصراع اليمني وحده؛ لأنه ممر دولي حيوي ترتبط به مصالح عشرات الدول وملايين البشر وسلاسل الإمداد والطاقة والتجارة العالمية.

 

ومن ثم فإن حماية باب المندب وحرية الملاحة فيه هي مسؤولية دولية مشتركة، لا مسؤولية دولة واحدة، ولا يجوز أن تصبح المضايق الدولية رهينة للصراعات الإقليمية أو وسيلة للابتزاز السياسي والعسكري، ويبقى احترام القانون الدولي هو الطريق الأكثر استدامة لحماية الملاحة الدولية، وحماية المدنيين، ومنع عسكرة الممرات البحرية، والحفاظ على أمن البحر الأحمر والخليج العربي، وصولًا إلى تسوية سياسية عادلة ومستدامة للنزاع اليمني تحفظ للشعب اليمني وحدته وسيادته، وتحمي في الوقت ذاته حق المجتمع الدولي في حرية الملاحة والتجارة الدولية.  

 

 

 

غغسس

42135-553
 
الخبير القانونى والمحامى بالنقض هانى صبرى 

 

 

print