التضخم
لم يكن شهر أغسطس شهرًا عاديًا فى حسابات التضخم التى أعلن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء تفاصيلها منذ أيام قليلة، فهو الشهر الذى تبدأ فيه ميزانية الأسر المصرية مواجهة واحدة من أكثر فترات الإنفاق ضغطًا، بسبب الاستعداد للعام الدراسى الجديد وما يصاحبه من مصروفات تعليمية وشراء ملابس وأحذية وأدوات مدرسية.
ومع ذلك، جاءت المؤشرات التضخمية لهذا الشهر "أغسطس" دون زيادة فى المستوى العام للأسعار، حيث استقر الرقم القياسى العام لأسعار المستهلكين لإجمالى الجمهورية عند 289.8 نقطة، وهو نفس مستوى شهر يوليو، بينما تراجع معدل التضخم السنوى لأغسطس إلى 12.7% مقابل 13% كمعدل سنوي لشهر يوليو السابق له.

ولكن، بالنظر إلى مؤشر التضخم لشهر أغسطس من زاوية الرقم العام فقط، فقد تعطى انطباعًا أكثر تفاؤلًا مما تعكسه ميزانية الأسرة فعليًا، فالاستقرار لم يكن ناتجًا عن تراجع شامل للأسعار، وإنما جاء نتيجة شد وجذب بين انخفاضات قوية فى بعض السلع وارتفاعات واضحة فى بنود أخرى.
وهنا تكمن قصة تضخم أغسطس، وهى أن الأسعار لم تتوقف عن الحركة، لكنها تحركت فى اتجاهين متعاكسين، فانخفض الغذاء بما يكفى لتعويض جانب من الزيادات التى ضربت السكن والطاقة والملابس والخدمات.

مسار التضخم الشهرى خلال الأشهر الماضية يكشف بوضوح أن الاستقرار في شهر أغسطس لم يأتِ من فراغ، فقد شهد مارس زيادة شهرية بلغت 3.3%، ثم تباطأت الزيادة إلى 1.2% فى أبريل وإلى 1.4% فى مايو، قبل أن يتحول المؤشر إلى انخفاض قدره 0.9% فى يونيو، ثم ارتفاع طفيف بلغ 0.1% فقط فى يوليو، وصولًا إلى الاستقرار فى أغسطس، وبذلك، فإن الصورة منذ منتصف العام تقريبًا تحمل اتجاهًا واضحًا نحو تباطؤ معدل الزيادة الشهرية فى الأسعار.
لكن، هذا التباطؤ الشهرى لا يعنى أن الأسعار عادت إلى مستوياتها السابقة، فالتضخم يقيس معدل تغير الأسعار، وليس مستوى الأسعار نفسه، ولذلك يمكن للأسرة أن تواجه أسعارًا لا تزال أعلى بكثير من العام الماضى، حتى إذا توقف المؤشر عن الارتفاع خلال شهر معين، وهذا تحديدًا ما توضحه بيانات أغسطس، فبينما انخفضت أسعار الخضروات 7% خلال شهر واحد، فإنها ظلت أعلى بنسبة 27.7% عن أغسطس 2025، وكذلك فإن تراجع اللحوم والدواجن 1.5% شهريًا لا يلغى ارتفاعها السنوى البالغ 3.8%.
بمعنى آخر.. شهر أغسطس قدم للأسرة هدنة فى بعض الأسعار، لكنه لم يُعد تكلفة المعيشة إلى ما كانت عليه قبل عام.

وبحسب البيانات المعلنة، فقد كان قسم الطعام والمشروبات هو العامل الأهم فى تحقيق الاستقرار الشهرى لمعدل التضخم خلال شهر أغسطس 2026، وذلك بعدما سجل انخفاضًا قدره 1.2%، مدفوعًا بانخفاض الخضروات 7% واللحوم والدواجن 1.5% والحبوب والخبز 0.1% والأسماك والمأكولات البحرية 0.1%، وهذا التراجع كان حاسمًا، حيث جاء فى مواجهة زيادات سجلتها بنود أخرى أكثر ارتباطًا بالتكاليف الثابتة للأسرة مثل قسم المسكن والمياه والكهرباء والغاز، والذى ارتفع بنسبة 1.9%، مدفوعًا بزيادة الكهرباء والغاز ومواد الوقود الأخرى 4.3%، والإيجار الفعلى للمسكن 0.8%، كما ارتفع الأثاث والتجهيزات والمعدات المنزلية 0.7%، والملابس والأحذية 0.5%، والرعاية الصحية 0.4%، والنقل والمواصلات 0.2%.
إذن، لم يكن استقرار المؤشر في أغسطس استقرارًا فى جميع الأسعار، وإنما نتيجة حسابية لتوازن الانخفاضات والارتفاعات داخل سلة المستهلك.
الأكثر دلالة، أن موسم المدارس لم يظهر فى المؤشر العام على شكل موجة تضخمية جديدة، رغم أن البنود المرتبطة بالإنفاق الأسرى سجلت زيادات كبيرة على أساس سنوي، حيث ارتفعت أسعار التعليم بنسبة 20%، والتعليم قبل الابتدائى والتعليم الأساسى 22%، والتعليم العالى 17%، بينما سجل التعليم بعد الثانوى والفنى قفزة استثنائية بلغت 364.5%، وذلك على المستوى السنوي لشهر أغسطس مقارنة بالمستوى السنوي لشهر يوليو السابق له، كما ارتفعت الملابس والأحذية بنسبة 12.6%، والنقل والمواصلات 21.7% على أساس سنوى.
وهنا يجب التوقف عند نقطة مهمة، وهى أن ارتفاع أسعار التعليم لا يعنى بالضرورة أن المدارس هى التى دفعت التضخم العام إلى الصعود فى أغسطس، فالزيادة السنوية تقارن مستوى الأسعار بمستواه قبل عام، بينما الاستقرار الشهرى يقيس ما حدث بين يوليو وأغسطس فقط، لكن بالنسبة للأسرة، فإن المقارنة السنوية قد تكون أكثر تعبيرًا عن الإحساس بغلاء المعيشة، لأنها تكشف مقدار ما تغيرت إليه تكلفة البنود التى يتعين عليها دفعها بالفعل من عام لعام، ولهذا يمكن أن يكون المؤشر العام مستقرًا، بينما تشعر الأسرة بأن سبتمبر 2026 سيكون أكثر تكلفة من سبتمبر 2025.

وتأتى النقطة الأهم فى قراءة أرقام أغسطس التضخمية، متمثلة في أن الوقت الذى بدأ فيه الغذاء يفقد جزءًا من قوته التضخمية على أساس شهرى، ظهرت ضغوط أكبر فى الخدمات والسكن والنقل والتعليم، وهذا يعنى أن الضغوط التضخمية أصبحت أقل اعتمادًا على الغذاء وأكثر ارتباطًا ببنود يصعب على الأسرة خفض استهلاكها بسرعة.
فالأسرة تستطيع تأجيل شراء بعض السلع أو تقليل استهلاكها عندما ترتفع أسعارها، لكن مساحة المناورة تكون أقل أمام الإيجار، والكهرباء، والنقل، والتعليم، ومن هنا، فإن انخفاض التضخم العام لا يعنى بالضرورة انخفاض الضغط على ميزانية الأسرة بالدرجة نفسها.
على الأساس السنوي، يمثل التراجع من 13% فى يوليو 2026 إلى 12.7% فى أغسطس التالى له، انخفاضًا محدودًا بمقدار 0.3 نقطة مئوية، ولا يمكن تفسير هذه الحركة باعتبارها نهاية موجة التضخم، بل باعتبارها علامة على أن سرعة ارتفاع الأسعار بدأت تهدأ مقارنة بمستويات سابقة، والأهم أن الرقم العام يخفى تفاوتًا كبيرًا بين المجموعات، فقسم الطعام والمشروبات ارتفع سنويًا 6.5% فقط، بينما سجل السكن 33% والتعليم 20% والنقل 21.7%، كما ذُكر من قبل.
وبالتالى، فإن السؤال الذى ستجيب عنه بيانات الشهور المقبلة ليس فقط، هل سينخفض التضخم؟، وإنما، هل سينخفض فى البنود التى تشكل الجزء الأكبر من إنفاق الأسرة؟، وهذا ما يصعب اختزال المسار المتوقع للتضخم خلال الفترة المقبلة فى اتجاه صاعد أو هابط فقط، وإنما هناك العديد من السياريوهات المتوقعة، أبرزها: استمرار التهدئة، وهو السيناريو الأكثر تفاؤلًا، ويتحقق إذا استمر انخفاض أسعار الغذاء، خصوصًا الخضروات واللحوم، ولم تظهر زيادات جديدة كبيرة فى الطاقة والنقل والخدمات، فى هذه الحالة يمكن أن يواصل التضخم السنوى اتجاهه الهابط تدريجيًا، خصوصًا مع دخول زيادات الأسعار السابقة فى قاعدة المقارنة.

أما السيناريو الثانى، فيتمثل في تباطؤ التضخم مع بقاء الأسعار مرتفعة، وهذا هو السيناريو الأكثر اتساقًا مع صورة أغسطس الحالية، فقد يستمر التضخم العام فى التراجع أو الاستقرار، بينما تبقى أسعار السكن والتعليم والنقل والخدمات عند مستويات مرتفعة، وهنا سيصبح هناك انفصال أكبر بين التضخم على المؤشر ذاته والتضخم الذى تشعر به الأسرة، لأن انخفاض بعض السلع الغذائية قد يهدئ المؤشر بينما تستمر النفقات الإلزامية فى الارتفاع.
بينما يتمثل السيناريو الثالث، فى عودة الضغوط السعرية، وهذا السيناريو يصبح أكثر احتمالًا إذا تعرضت أسعار الغذاء لموجة ارتفاع جديدة، أو استمرت الضغوط فى الطاقة والنقل والخدمات، أو ظهرت زيادات جديدة فى تكلفة بنود أخرى، عندها يمكن أن يتوقف مسار التراجع الحالى ويعود التضخم إلى الارتفاع فى الأشهر الأخيرة من العام.
حتى الآن، لا تقدم أرقام أغسطس دليلًا كافيًا على إعلان انتهاء موجة التضخم، لكنها تقدم إشارة مهمة إلى تغير طبيعة المشكلة، فمن مارس إلى أغسطس، انتقل المؤشر من زيادات قوية على المستوى الشهرى إلى زيادات محدودة ثم استقرار، بينما تراجع التضخم السنوى فى أغسطس إلى 12.7%، لكن فى المقابل، لا تزال هناك جيوب تضخمية قوية داخل الاقتصاد، كالسكن والنقل والتعليم وهى بنود لا تستطيع الأسرة ببساطة الاستغناء عنها.
لذلك، فإن الاختبار الحقيقى للأشهر الأربعة الأخيرة من العام سيكون قدرة التضخم الغذائى المنخفض نسبيًا على تعويض الارتفاعات المستمرة فى الخدمات والسكن والنقل والتعليم، فإذا استمر هذا التوازن، فقد تنتهى 2026 بصورة أكثر هدوءًا على مستوى التضخم العام، أما إذا انتقلت الضغوط من الغذاء إلى الخدمات والطاقة بوتيرة أسرع، فقد يظل التضخم مرتفعًا حتى مع استقراره الظاهرى.