لم تعد جماعة الإخوان الإرهابية تعتمد على أدوات الاستقطاب التقليدية وحدها، بعدما انتقل جانب كبير من نشاطها إلى الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع محاولة الوصول إلى أجيال جديدة، وفي مقدمتها جيل «زد»، عبر خطاب يستهدف اهتمامات الشباب والقضايا التي تشغلهم.
ويتزامن هذا التحول مع استمرار نشاط قيادات محسوبة على الجماعة من خارج مصر، وتعدد مراكز وجودها وتحرك شبكاتها في عدد من العواصم، بما يعكس تغير طبيعة النشاط التنظيمي والإعلامي للجماعة خلال السنوات الأخيرة.
تعدد مراكز القيادة.. نشاط من خارج مصر
وأوضح الباحث في شؤون جماعة الإخوان الإرهابية ثروت الخرباوي، خلال حديثه في لقاء تلفزيوني، أن التنظيم يعمل من خلال أكثر من مركز للقيادة، مشيرًا إلى أن صلاح عبد الحق يتولى منصب القائم بأعمال المرشد العام ويقيم في لندن، إلى جانب وجود قيادات وشخصيات أخرى تتحرك خارج مصر.
ويكشف تعدد مراكز القيادة عن تعقيدات داخل المشهد التنظيمي للجماعة، في ظل استمرار الخلافات حول النفوذ والقيادة ومسارات التحرك، بينما تحاول كل مجموعة الحفاظ على حضورها وتأثيرها داخل دوائر التنظيم.
وأصبحت العواصم الخارجية خلال السنوات الماضية ساحات أساسية للنشاط السياسي والإعلامي والتنظيمي المرتبط بالجماعة، مع الاعتماد على وسائل اتصال حديثة وشبكات إعلامية ومنصات رقمية عابرة للحدود.
لندن.. حضور قيادات وشبكات إخوانية
وتطرق الخرباوي إلى الدور الذي تلعبه لندن في نشاط الإخوان الإرهابية، متحدثًا عن وجود قيادات وشبكات تابعة للجماعة هناك، كما تحدث عن علاقات مع دوائر وأجهزة استخبارات خارجية، وهي اتهامات تظل بحاجة إلى أدلة ومصادر مستقلة لإثباتها.
ويمثل الوجود الخارجي للجماعة أحد أبرز التحولات التي طرأت على نشاطها، إذ أتاح الانتقال إلى الخارج مساحة أوسع للحركة الإعلامية والسياسية، إلى جانب القدرة على إدارة منصات وحسابات تستهدف الجمهور داخل المنطقة العربية.
ولا يقتصر هذا النشاط على التحرك السياسي المباشر، وإنما يمتد إلى المجال الإعلامي والرقمي، من خلال إنتاج المحتوى وإعادة نشر الرسائل وتكوين دوائر تأثير عبر منصات التواصل الاجتماعي.
التمويل.. أدوات وشبكات خارج القنوات التقليدية
وفي ملف التمويل، أشار الخرباوي إلى وجود شبكات مالية توفر الموارد للجماعة، متحدثًا عن استخدام العملات المشفرة في عمليات تحويل الأموال، باعتبارها إحدى الأدوات الحديثة التي يمكن استخدامها في نقل الأموال وإدارة بعض الأنشطة المالية.
وأصبحت العملات الرقمية خلال السنوات الأخيرة محل اهتمام واسع من الجهات الرقابية والأمنية حول العالم، بسبب إمكانية استخدامها في تحويل الأموال عبر الحدود، وهو ما دفع إلى تطوير آليات أكثر تشددًا لتتبع المعاملات ومصادر الأموال.
ويأتي الحديث عن التمويل في سياق أوسع يتعلق بالشبكات المالية التي تعتمد عليها التنظيمات والجماعات العابرة للحدود، والتي تستفيد من التطور التكنولوجي في إدارة مواردها وتحويل الأموال.
من المساجد والجامعات إلى السوشيال ميديا
وعلى مستوى التجنيد والاستقطاب، أوضح الخرباوي أن الإخوان الإرهابية غيّرت جانبًا من الأساليب التي اعتمدت عليها في السابق، فلم تعد المساجد والجامعات وحدها ساحات رئيسية للوصول إلى الشباب، وإنما أصبحت منصات التواصل الاجتماعي والفضاء الإلكتروني مجالًا أساسيًا للتحرك.
ويمنح الفضاء الرقمي الجماعة قدرة على الوصول إلى شرائح عمرية واسعة دون الحاجة إلى لقاءات مباشرة، كما يسمح بتقديم المحتوى بأشكال مختلفة تتناسب مع طبيعة كل منصة والجمهور الموجود عليها.
وتختلف الأدوات الجديدة عن أساليب الاستقطاب التقليدية، إذ يمكن أن تبدأ عملية التأثير بمحتوى اجتماعي أو إنساني أو ثقافي، قبل الانتقال تدريجيًا إلى رسائل سياسية وفكرية أكثر ارتباطًا بأهداف الجماعة.
جيل «زد».. الهدف الأبرز للاستقطاب
ويأتي استهداف جيل «زد» ضمن أبرز التحولات في نشاط الجماعة الإلكتروني، إذ يمثل الشباب المستخدم الأكبر لمنصات التواصل الاجتماعي ومواقع الفيديو والمحتوى القصير.
وقال الخرباوي إن الجماعة تعمل على تقديم خطاب يستهدف مشاعر الشباب، والاستفادة من القضايا التي تشغلهم من أجل جذبهم إلى محتواها والتأثير في مواقفهم.
ويعتمد هذا الخطاب على الاقتراب من اهتمامات الشباب وقضاياهم اليومية، ومحاولة تقديم الجماعة باعتبارها جزءًا من النقاش الدائر حول القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، بما يسمح بخلق حالة من التفاعل قبل الانتقال إلى الرسائل التنظيمية والفكرية.
اللجان الإلكترونية.. صناعة محتوى على مدار الساعة
وأضاف الخرباوي أن النشاط الإلكتروني للإخوان الإرهابية لا يقتصر على نشر المنشورات، وإنما يشمل إدارة صفحات وحسابات ولجان إلكترونية، إلى جانب الاستعانة بجهات متخصصة في إنتاج ونشر المحتوى.
وتتيح هذه الأدوات إعادة إنتاج الرسالة الواحدة بأشكال متعددة، من فيديوهات قصيرة إلى صور ومنشورات وتعليقات، بما يساعد على زيادة الانتشار والوصول إلى شرائح مختلفة من المستخدمين.
كما تسمح البيئة الرقمية بقياس تفاعل الجمهور مع المحتوى، ومعرفة الموضوعات الأكثر جذبًا للاهتمام، ثم تطوير الرسائل وفقًا لما يحظى بانتشار وتفاعل أكبر.
الشائعات والمحتوى الموجه
وتحدث الخرباوي كذلك عن استخدام الشائعات والمحتوى الموجه ضمن الأنشطة الإلكترونية، موضحًا أن الهدف يتمثل في التأثير في الرأي العام وزعزعة الاستقرار في عدد من الدول العربية.
وتشكل الشائعات أحد أبرز مخاطر البيئة الرقمية، خاصة مع سرعة تداول المعلومات غير الموثقة، وإعادة نشر الأخبار خارج سياقها، واستغلال الأحداث والأزمات لصناعة رسائل تستهدف التأثير في الجمهور.
وتزداد خطورة هذا النوع من المحتوى عندما يتم تداوله عبر حسابات وصفحات متعددة في الوقت نفسه، بما قد يمنح الرسالة انتشارًا واسعًا ويصعب معه التمييز بين التفاعل الطبيعي والحملات المنظمة.
الاستعانة بجهات متخصصة في صناعة المحتوى
وأشار الخرباوي إلى الاستعانة بشركات متخصصة في شرق آسيا لتنفيذ عمليات مرتبطة بإنتاج ونشر المحتوى، وهو ما يعكس ـ وفق روايته ـ اتجاه النشاط الإلكتروني نحو مزيد من التخصص والتنظيم.
ومع التطور السريع في تقنيات إنتاج الفيديو والصور والمحتوى الرقمي، أصبحت عملية صناعة الرسائل الإعلامية أسرع وأقل تكلفة، وهو ما يمنح الجهات المنظمة قدرة أكبر على إنتاج كميات ضخمة من المحتوى خلال فترات زمنية قصيرة.
كما أضاف تطور أدوات الذكاء الاصطناعي بعدًا جديدًا إلى معركة المحتوى الرقمي، بعدما أصبح من الممكن إنتاج مواد متنوعة وتعديلها وتوجيهها إلى جماهير محددة بصورة أكثر سرعة.
نشاط عابر للحدود.. والفضاء الرقمي في المقدمة
وتجمع هذه المعطيات بين عدة مسارات لنشاط جماعة الإخوان الإرهابية خارج مصر، بداية من استمرار وجود قيادات وشخصيات محسوبة عليها في الخارج، مرورًا بالشبكات المالية، وصولًا إلى التحول الكبير في أدوات الاستقطاب والتأثير.
فالتنظيم الذي اعتمد تاريخيًا على شبكات اجتماعية وتنظيمية تقليدية أصبح أمام بيئة رقمية تمنحه قدرة أكبر على الوصول إلى جمهور واسع، وبناء دوائر تأثير افتراضية لا ترتبط بمكان جغرافي محدد.
كما أصبح المحتوى الرقمي وسيلة أساسية في معركة التأثير، سواء عبر طرح الأفكار أو استغلال القضايا العامة أو نشر الرسائل السياسية أو محاولة استقطاب الشباب.
جيل «زد» في قلب المعركة الرقمية
ويضع انتقال الإخوان الإرهابية إلى استهداف جيل «زد» عبر الإنترنت عنصرًا جديدًا في نشاط الجماعة، بالتزامن مع استمرار نشاط قياداتها من الخارج وتعدد مراكز وجودها.
وأصبحت المنصات الرقمية واحدة من أبرز ساحات النشاط الإخواني، بما تشمله من صناعة محتوى وإدارة حسابات وصفحات ومحاولات للتأثير في الرأي العام والوصول إلى شرائح عمرية جديدة.
وتفرض هذه التحولات تحديات تتجاوز المواجهة التقليدية، لتشمل تعزيز الوعي الرقمي، ورفع قدرة المستخدمين على التحقق من المعلومات، وكشف المحتوى الدعائي والمضلل، خاصة مع سعي الجماعات والتنظيمات إلى تطوير أدواتها بما يتناسب مع طبيعة الجمهور الجديد.