الحماية الاجتماعية في مصر لم تعد مجرد دعم يُقدم للفئات الأكثر احتياجًا وقت الأزمات، وإنما تحولت إلى منظومة متكاملة تتحرك على أكثر من مسار، تبدأ بزيادة مخصصات الدعم والمزايا الاجتماعية، وتمتد إلى المعاشات والخدمات الصحية، وتطوير الرعاية المقدمة لذوي الإعاقة والأسر الأولى بالرعاية، وصولا إلى تشريعات تضع حقوق المستحقين في إطار أكثر استدامة.
وبالنظر إلى الصورة الكاملة التي ترسمها الأرقام، تتضح ملامح هذه المنظومة، من دعم نقدي يخفف أعباء المعيشة، ومعاشات وبرامج مساندة تحمي الأسر، ورعاية صحية توسع نطاق التغطية، وخدمات اجتماعية متخصصة تستهدف التمكين والدمج، إلى جانب تشريعات تنظم الحقوق وتدعم استمرارية برامج الحماية.
وهنا لا تصبح زيادة المخصصات مجرد أرقام في الموازنة، وإنما انعكاسا لاتجاه أوسع في سياسات الدولة، يقوم على إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام بما يخفف الضغوط عن المواطنين، وفي الوقت نفسه يوسع نطاق الخدمات ويقربها من المستحقين في مختلف المحافظات.
فالأرقام لا تكذب ولا تتجمل، ومن خلالها يمكن رصد حجم ما شهدته منظومة الرعاية الاجتماعية من توسع وتطوير خلال العام الماضي، فقد ارتفعت مخصصات الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية إلى 742.6 مليار جنيه، بنمو 15% عن العام السابق، بما يعكس استمرار توجيه جانب كبير من الإنفاق العام نحو تخفيف الأعباء عن المواطنين ودعم الفئات الأكثر تأثرا بالضغوط الاقتصادية.
وتوزعت هذه المخصصات على عدد من أوجه الحماية الاجتماعية، واستحوذت المساهمة في صناديق المعاشات ودعم المواد البترولية والسلع التموينية على نحو 62.23% من إجمالي المخصصات، بنسب 30.58% و10.10% و21.55% على التوالي، بما يعكس اتساع نطاق تدخل الدولة لدعم الأسر والحفاظ على قدر أكبر من الاستقرار المعيشي.
53.6 مليار جنيه لموازنة التضامن
ومن الصورة الأكبر إلى البرامج التي تلامس حياة المواطنين بصورة مباشرة، جاءت وزارة التضامن الاجتماعي في قلب منظومة الحماية، بعدما ارتفعت موازنة الديوان العام إلى 53.6 مليار جنيه لعام 2025/2026، بزيادة قدرها 14.2 مليار جنيه عن العام السابق.
ووجه نحو 87% من الموازنة لدعم المزايا الاجتماعية، بما يؤكد أولوية برامج الحماية داخل عمل الوزارة، وفي مقدمتها برامج الدعم النقدي والرعاية للفئات الأولى بالرعاية.
وشملت أبرز الزيادات رفع مخصصات «تكافل وكرامة» بنحو 11 مليار جنيه، بنسبة 25%، إلى جانب زيادة موازنة معاش الطفل بمقدار 77 مليون جنيه.
ولم يتوقف الدعم عند المخصصات المالية، إذ تم تخصيص 270 مليون جنيه بدل انتقال لنحو 15 ألف رائدة اجتماعية، بما يدعم الوصول إلى الأسر المستحقة وتقديم الخدمات الاجتماعية داخل المجتمعات المحلية.
تكافل وكرامة.. من الدعم إلى إطار قانوني أكثر استدامة
لكن توسيع مظلة الحماية لم يكن ماليا فقط، حيث تحركت الدولة بالتوازي على المسار التشريعي، مع صدور قانون الضمان الاجتماعي الجديد رقم 12 لسنة 2025، بما عزز الإطار القانوني لمنظومة الدعم ونظم حقوق واستحقاقات المستفيدين.
وامتدت عملية تنظيم المنظومة إلى دمج موازنة المجلس القومي لأسر الشهداء والمصابين ضمن موازنة وزارة التضامن الاجتماعي، بما يدعم توحيد جهود الرعاية المقدمة لهذه الفئات.
وبالتوازي مع زيادة التمويل وتنظيم الاستحقاقات، أطلقت الوزارة مسابقة وطنية لتحفيز المديريات على تقديم أفضل الخدمات للمستحقين، في اتجاه يربط بين حجم الموارد وجودة الخدمة وكفاءة الوصول إلى المواطن.
التأمين الصحي الشامل.. عندما تمتد الحماية إلى صحة المواطن
ومن الدعم الاجتماعي المباشر إلى أحد أهم أوجه الحماية وهو الصحة، تتحرك الدولة عبر مشروع التأمين الصحي الشامل، الذي يستهدف الوصول إلى تغطية جميع المصريين بحلول عام 2030.
ويصاحب المشروع تطوير واسع للبنية التحتية الصحية، شمل إنشاء وتحديث أكثر من 1200 مستشفى ووحدة صحية، بما يرفع قدرة المنظومة على تقديم الخدمات الطبية للمواطنين.
ولأن الحماية الصحية لا تكتمل إذا ظلت الخدمات بعيدة عن المناطق الأكثر احتياجًا، امتدت جهود الدولة إلى القرى والمناطق النائية من خلال تسيير 2379 قافلة طبية متنقلة خلال عام 2025، قدمت خدماتها المجانية لأكثر من 1.5 مليون مواطن.
وجاء ذلك بالتوازي مع جهود تعزيز الاكتفاء الذاتي من الأدوية والمستلزمات الطبية، بما يدعم استقرار تقديم الخدمة الصحية ويعزز قدرة المنظومة على تلبية احتياجات المواطنين.
خدمات أوسع لذوي الإعاقة والفئات الأولى بالرعاية
وإذا كانت الحماية تبدأ بالدعم وتنتهي بالخدمة، فإن دمج الفئات المستفيدة وتمكينها يمثلان جانبًا أساسيًا منها؛ وهو ما انعكس في تطوير دور الرعاية، والتوسع في إصدار بطاقات الخدمات المتكاملة للأشخاص ذوي الإعاقة، إلى جانب توسيع نطاق خدمات الدعم النفسي والاجتماعي.
وتكشف هذه الإجراءات عن تحول تدريجي من مفهوم الرعاية التقليدية، الذي يركز على تقديم المساعدة، إلى مفهوم أكثر شمولًا يستهدف الدمج والتمكين وتحسين قدرة المستفيدين على المشاركة في المجتمع.
31 أما مثالية.. قصص صمود تتصدر المشهد
وبعيدا عن المخصصات والأرقام، حملت منظومة الرعاية جانبا إنسانيا آخر، تمثل في تقدير النماذج التي استطاعت تحويل الظروف الصعبة إلى قصص نجاح.
فقد انتهت وزارة التضامن الاجتماعي من أعمال اللجنة المركزية لاختيار الأمهات المثاليات لعام 2025، بعد فحص 85 قصة كفاح وصلت إلى المرحلة النهائية من إجمالي 755 طلب ترشح.
وأسفرت النتائج عن اختيار 31 أمًا مُكرمة، من بينهن 27 أمًا مثالية أولى على مستوى المحافظات، إلى جانب أمهات من فئات الأم البديلة، وأم لابن من ذوي الإعاقة، وأمهات شهداء القوات المسلحة والشرطة.
واعتمدت عملية الاختيار على معايير محددة، من بينها ألا يزيد عدد الأبناء على ثلاثة، باستثناء المحافظات الحدودية الست، وأن يكون جميع الأبناء حاصلين على مؤهلات عليا.
كما أُعطيت الأولوية للأمهات العاملات، والأرامل والمطلقات، وللأمهات اللاتي نجحن في دمج أبنائهن من ذوي الإعاقة في المجتمع، أو ساعدنهم على تنفيذ مشروعات صغيرة والمشاركة في العمل التطوعي.