في صيفٍ يشهد تصعيدًا غير مسبوق، تلوح في الأفق ملامح مرحلة جديدة من المواجهة بين روسيا وأوروبا، لم تعد محصورة بجبهات القتال في أوكرانيا، بل انتقلت إلى قلب القارة العجوز عبر حرب هجينة تهدف إلى اختبار تماسك حلف شمال الأطلسي "الناتو" واستنزاف قدراته، وسط مخاوف متزايدة من أن تؤدي هذه الاستفزازات إلى صدام مباشر بين موسكو والحلف.
حرب الظلّ تتّقد: من المسيّرات إلى التخريب
تشير تقارير استخباراتية وتحليلات أمنية إلى تصاعد ملحوظ في وتيرة العمليات الهجينة الروسية ضد الدول الأوروبية، والتي تشمل تخريب البنية التحتية الحيوية، وتهديد خطوط الملاحة، واستخدام مسيّرات مفخخة، وحملات تضليل إعلامي، ومحاولات اغتيال، وتجنيد عملاء للقيام بعمليات تخريبية . وقد كشف معهد الدراسات الاستراتيجية الدولية (IISS) أن عمليات التخريب الروسية تضاعفت أربع مرات في عام 2024 مقارنة بالسنوات السابقة، واستمرت في الارتفاع خلال 2025 والنصف الأول من 2026 .
وتعد منطقة بحر البلطيق مسرحًا رئيسيًا لهذه الحرب الخفية، حيث يستخدم الأسطول الروسي "الظل" كأداة للتهديد المستمر. فقد سجّلت بيانات الملاحة البحرية أن 2,313 سفينة مرتبطة بروسيا عبرت بحر البلطيق بين فبراير 2024 وفبراير 2025، وزادت الأنشطة المشبوهة بالقرب من البنية التحتية تحت المائية بنسبة 153%، بينما قفزت في المنطقة الاقتصادية الخالصة لفنلندا وحدها بنسبة 849% . وتتضمن هذه الأنشطة عمليات استطلاع وتخريب محتملة لكابلات الطاقة والاتصالات، حيث تضررت أربعة كابلات تحت الماء في بحر البلطيق منذ بداية 2025 .
وفي تطور مقلق، تم رصد 54 حادثة مشبوهة لمسيّرات حلّقت فوق مطارات وقواعد عسكرية ومنشآت حيوية في بلجيكا والدنمارك وألمانيا والنرويج خلال عام 2025 . وتكشف هذه الأرقام عن حملة منهجية لاستهداف نقاط الضعف الأوروبية، مما يثير تساؤلات حول قدرة أوروبا على حماية بنيتها التحتية الحيوية.
استفزازات على الحدود: اختبار لعزيمة الناتو
لم تقتصر الحرب الهجينة على التخريب البحري والجوي، بل تجاوزته إلى انتهاكات صريحة للمجال الجوي لدول الناتو، وكأنها اختبار مباشر لعزيمة الحلف ووحدته. ففي الأيام الأخيرة، استدعت رومانيا طائراتها الحربية لاعتراض وتدمير مسيّرة بحرية روسية محمّلة بالمتفجرات، كانت تقترب من منصة الغاز الاستراتيجية "نيبتون ديب" في البحر الأسود . كما أسقطت مقاتلات إسبانية تابعة للناتو مسيّرة أخرى انتهكت المجال الجوي الروماني.
وفي الشمال، اتهمت فنلندا طائرة استطلاع روسية بانتهاك مجالها الجوي، بينما سقط صاروخ روسي في الأراضي البولندية، مخلفًا حفرة بعمق 10 أمتار، في حادث وُصف بأنه لم يعد استثنائياً . هذه الحوادث المتكررة، التي تأتي بالتزامن مع تركيز الولايات المتحدة على صراعاتها في الشرق الأوسط، قد تشجع الكرملين على تصعيد عدوانيته، كما يرى خبراء، مستغلاً تراجع الاهتمام الأمريكي المباشر بالجبهة الأوروبية .
نوايا أمريكية مقلقة وتعهدات أوروبية
عززت هذه التطورات المخاوف من أن روسيا تحاول إعادة رسم "الخطوط الحمراء" التي كانت تفصل بين الحرب الباردة والنزاع المباشر. وكشفت تقارير استخباراتية أمريكية أن الرئيس بوتين قد يسعى في المستقبل القريب إلى اختبار وحدة الناتو عبر شن عدوان محدود ضد أحد أعضائه، قد يتراوح بين هجوم إلكتروني واسع النطاق أو إرسال قوات غير نظامية، وصولاً إلى توغل بري محدود، وهو سيناريو يبدو بعيد المنال حاليًا لكن احتمالاته آخذة في الارتفاع .
وفي المقابل، رفع المسؤولون الأوروبيون وحلف الناتو من وتيرة تحذيراتهم، معتبرين أن أمن أوروبا ككل بات مهددًا، وأن فكرة "المناطق الخلفية الآمنة" أصبحت شيئًا من الماضي . وتعهدت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، بالرد على هذه الحملة المتنامية، معترفة بأن ما يجري هو "حرب هجينة" حقيقية تهدف إلى تقويض وحدتهم . وأكدت قيادة الناتو أن الحلف في حالة تأهب واستعداد للرد على أي تهديد على مدار الساعة، مع تطوير استراتيجيات جديدة تتضمن إشراك القطاع الخاص في الدفاع الجماعي . كما دعت دول البلطيق وبولندا إلى تعزيز حماية أصولها الحيوية كشبكات الغاز والكهرباء، تخوفًا من أن تستخدم روسيا هجمات "علم زائف" تهدف إلى إحداث انقسام داخل الحلف .
في هذا السياق المتوتر، يبدو أن الصراع في أوكرانيا لم يعد وحده ساحة المواجهة، بل تحولت أوروبا بأسرها إلى مسرح لحرب متعددة الأبعاد تخلط بين العصي الإلكترونية والمسيرات المفخخة والعملاء السريين، في سباق محموم مع الزمن لردع موسكو ومنع انزلاق القارة إلى هاوية مواجهة عسكرية مباشرة.