حلاوة مولد - أرشيفية
في إطار الجهود التي تبذلها الدولة المصرية لحماية صحة المواطنين وضبط الأسواق ومواجهة صور الغش والتدليس في السلع والمنتجات الغذائية، تتواصل الحملات الرقابية على الأسواق والمنشآت التجارية ومصانع الأغذية، وفي هذا السياق، تم ضبط مصنع غير مرخص في القليوبية يستخدم الفحم المطحون بدل الكاكاو، والمصنع كان يعيد تدوير 1.8 طن بسكويت منتهي الصلاحية ويضيف له نكهات صناعية لتقليد طعم الشوكولاتة.
كما ضبط قرابة طن من حلوى المولد، تبين – وفق ما أعلنته الجهات المختصة – عدم صلاحيتها للاستهلاك الآدمي، وهو ما يعيد إلى الواجهة قضية بالغة الأهمية تتعلق بالحدود الفاصلة بين الغش التجاري، وفساد أو تلف الأغذية، وعدم صلاحيتها للاستهلاك الآدمي، وعدم مطابقتها للمواصفات المقررة قانوناً، فضلاً عن تحديد المسؤولية الجنائية لمن يقوم بإنتاجها أو تخزينها أو عرضها أو طرحها للبيع أو تداولها.
جرائم الغش التجاري وعدم صلاحية الأغذية للاستهلاك وعدم مطابقتها للمواصفات
في التقرير التالى، يلقى "برلماني" الضوء على جرائم الغش التجاري وعدم صلاحية الأغذية للاستهلاك الآدمي وعدم مطابقتها للمواصفات، حيث يقوم العديد من الأشخاص معدومي الضمير بالغش بأي من أشكال الاحتيال سواء طعام أو مواد طبية أو منتجات مختلفة، وإذا تعرضوا لأي من صور الاحتيال التجاري، وتنطبق عقوبة الاحتيال التجاري على كل من يطلب خداع الآخرين نتيجة للاحتيال – بحسب الخبير القانوني والمحامى بالنقض هانى صبرى.
ما هي جريمة الغش التجاري؟
في البداية - تعرف جريمة الغش التجاري بتعمد إخفاء حقيقة البضاعة بصورة كلية أو جزئية عبر إجراء التغييرات التي ينتج عنها إظهار البضاعة بصورة مختلفة بعد إجراء التغييرات عليها، تتمثل جريمة الغش التجاري في المواد الغذائية بتوافر البضاعة، ولهذا تقع الجريمة حتى في حالة عدم وجود متعاقد، أو عدم حدوث نتيجة لتلك الجريمة مما ينتج عنه تطبيق عقوبة الغش التجاري في حالة توافر البضاعة المغشوشة – وفقا لـ"صبرى".
وتكتسب هذه الجرائم خطورتها من اتصالها المباشر بحق الإنسان في الصحة والسلامة، ومن ثم لم يتعامل المشرع معها باعتبارها مجرد مخالفات تجارية، وإنما أحاطها بتنظيم جنائي خاص، وأقام لها عقوبات مشددة، خاصة متى كانت الأغذية المغشوشة أو الفاسدة أو منتهية الصلاحية ضارة بصحة الإنسان – هكذا يقول الخبير القانونى.
أولاً: الحماية الجنائية للغذاء في التشريع المصري
تتعدد النصوص التشريعية التي تتكامل في مواجهة ظاهرة الغش في الأغذية، ومن أهمها القانون رقم 48 لسنة 1941 بشأن قمع التدليس والغش، المعدل بالقانون رقم 281 لسنة 1994، والقانون رقم 10 لسنة 1966 بشأن مراقبة الأغذية وتنظيم تداولها، فضلاً عن قانون حماية المستهلك رقم 181 لسنة 2018 ولائحته التنفيذية، وقد قرر القانون رقم 10 لسنة 1966 حظراً صريحاً على تداول الأغذية في حالات محددة، من بينها أن تكون الأغذية غير مطابقة للمواصفات الواردة في التشريعات النافذة، أو غير صالحة للاستهلاك الآدمي، أو مغشوشة – طبقا لـ"صبرى".
كما عرّف التداول تعريفاً واسعاً يشمل التصنيع والتحضير والطرح والعرض للبيع والتخزين والنقل والتسليم، وقد أكدت المحكمة الدستورية العليا أن صون صحة الإنسان من أولى المهام التي تقوم عليها الدولة، وأن التنظيم التشريعي لمراقبة الأغذية يستهدف ضمان خلو الغذاء من الأمراض والتزامه بالمستويات الصحية والمواصفات المقررة، ومن ثم، فإن الحماية الجنائية لا تبدأ فقط عند إتمام عملية البيع، وإنما تمتد إلى مراحل متعددة من دورة تداول الغذاء – هكذا أوضح "صبرى".
ثانياً: ما المقصود بالغش التجاري في المواد الغذائية؟
الغش لا يقتصر على إضافة مادة إلى الغذاء أو خلطه بمادة أقل جودة، وإنما تتسع صوره لتشمل كل سلوك من شأنه تغيير حقيقة السلعة أو طبيعتها أو صفاتها الجوهرية أو عناصرها أو مصدرها على نحو يؤدي إلى تضليل المتعامل عليها، وقد تناولت المادة الأولى من القانون رقم 48 لسنة 1941 – بعد تعديلها بالقانون رقم 281 لسنة 1994 – صور الخداع في ذاتية البضاعة وحقيقتها وطبيعتها وصفاتها الجوهرية وعناصرها ومصدرها ووزنها ومقدارها وغير ذلك من البيانات المؤثرة في التعاقد.
أما المادة الثانية من القانون ذاته، فقد أفردت تنظيماً خاصاً للمواد الغذائية، فعاقبت كل من غش أو شرع في غش شيء من أغذية الإنسان أو الحيوان المعد للبيع، وكذلك من طرح أو عرض للبيع أو باع أغذية مغشوشة أو فاسدة أو انتهت صلاحيتها مع علمه بذلك، وهنا تظهر أهمية التفرقة بين شخص قام بالفعل المادي للغش، وبين شخص آخر قام بعرض السلعة أو بيعها مع علمه بحقيقتها.
ثالثاً: متى تكون السلعة الغذائية مغشوشة؟
ويضيف "صبرى": قرر قانون مراقبة الأغذية وتنظيم تداولها صوراً متعددة يتحقق بها الغش في الغذاء، وقد أوضحت المحكمة الدستورية العليا، في حكمها في الدعوى رقم 28 لسنة 17 قضائية "دستورية" بجلسة 2 ديسمبر 1995، أن الغش يتحقق – من بين صور أخرى – إذا كانت الأغذية غير مطابقة للمواصفات المقررة، أو خلطت أو مزجت بمادة أخرى تغير طبيعتها أو جودة صنفها، أو استبدلت مادة بأخرى أقل جودة، أو أخفي فسادها أو تلفها، أو نزعت بعض عناصرها، أو احتوت على عناصر غذائية فاسدة، أو كانت بيانات عبواتها مخالفة لحقيقة تركيبها بما يؤدي إلى خداع المستهلك أو الإضرار به صحياً، ومن ثم فإن الغش قد يكون:-
1- غشاً في التركيب أو المكونات.
2- غشاً في النوع أو الجودة.
3- غشاً في المصدر أو المنشأ.
4- غشاً في الوزن أو المقدار أو الكمية.
5- غشاً في البيانات أو العبوات أو الملصقات.
6- إخفاءً لفساد السلعة أو تلفها.
7- استبدال مكون بآخر أقل جودة.
8- تقديم سلعة باسم أو وصف لا يتفق مع حقيقتها.
وقد قررت محكمة النقض أن جريمة وضع بيانات غير مطابقة للحقيقة يمكن أن تتحقق حتى ولو كانت السلعة ذاتها غير مغشوشة، وأنها تختلف عن جريمة الغش التي تتحقق بتغيير حقيقة الشيء أو خلطه أو إضافة مادة مغايرة لطبيعته أو من ذات طبيعته ولكن من صنف أقل جودة. الطعن رقم 1907 لسنة 40 قضائية – جلسة 14 / 3/ 1973.
رابعاً: عدم صلاحية الغذاء للاستهلاك الآدمي
عدم الصلاحية للاستهلاك الآدمي صورة مستقلة ذات أهمية خاصة في التجريم، فليس من الضروري دائماً إثبات وجود عملية خلط أو إضافة مادة أخرى حتى تكون السلعة محل جريمة؛ فقد تكون السلعة أصلية في مصدرها وتركيبها، ولكنها أصبحت فاسدة أو تالفة أو ضارة بالصحة، وبالتالي يحظر تداولها، وقد أوضحت المحكمة الدستورية العليا أن الغذاء يكون غير صالح للاستهلاك الآدمي إذا كان ضاراً بالصحة أو فاسداً أو تالفاً.
ومن صور الضرر بالصحة، وفق ما أورده الحكم، أن يكون الغذاء ملوثاً بميكروبات أو طفيليات من شأنها إحداث المرض، أو يحتوي على مواد سامة، أو يكون معرضاً للتلوث بسبب مصدره أو طريقة تداوله، أو يحتوي على مواد محظور استعمالها، أو تكون العبوات أو الأغلفة التي تحتويه ضارة بالصحة، كما يعد الغذاء فاسداً أو تالفاً إذا تغير تركيبه أو خواصه الطبيعية من حيث الطعم أو الرائحة أو المظهر نتيجة التحليل الكيميائي أو الميكروبي، أو انتهى تاريخ استعماله، أو احتوى على يرقات أو ديدان أو حشرات أو فضلات أو مخلفات حيوانية، وبالتالي، فإن عبارة "غير صالح للاستهلاك الآدمي" ليست مجرد وصف إداري أو صحي، وإنما قد تكون وصفاً قانونياً مؤسساً للمسؤولية الجنائية متى ثبتت عناصرها بالأدلة الفنية والقانونية اللازمة.
خامساً: عدم المطابقة للمواصفات هل يشكل جريمة؟
نعم، ولكن يجب التمييز بين الحالات المختلفة، فالقانون رقم 10 لسنة 1966 حظر تداول الغذاء إذا كان غير مطابق للمواصفات الواردة في التشريعات النافذة، كما اعتبر القانون في بعض صوره عدم المطابقة مظهراً من مظاهر الغش الغذائي، إلا أن مجرد القول بأن السلعة "غير مطابقة للمواصفات" لا يكفي وحده لإقامة الإدانة دون تحديد المواصفة القانونية الواجبة التطبيق، ووجه المخالفة، والدليل الفني الذي يثبتها.
وفي هذا المعنى، قضت محكمة النقض بأن مناط التجريم في إحدى القضايا كان مرتبطاً بوجود مواصفة مقررة قانوناً للمنتج، وقضت بالبراءة عندما لم تكن المواصفة القانونية اللازمة قد صدرت. الطعن رقم 1661 لسنة 39 قضائية – جلسة 12/1/1970 - وعليه، فإن تقرير المعمل يجب أن يكون واضحاً في تحديد:
1- نوع المنتج محل الفحص.
2- المواصفة القياسية أو الاشتراط الصحي الواجب التطبيق.
3- نتيجة التحليل.
4- نسبة المخالفة – إن وجدت.
5- وجه عدم المطابقة.
6- مدى صلاحية المنتج للاستهلاك الآدمي.
7- وما إذا كانت المخالفة تجعل المنتج ضاراً بالصحة أو فاسداً أو تالفاً.
ملحوظة:
وهذه العناصر تكتسب أهمية خاصة في الدعاوى الجنائية، لأن الأصل هو البراءة، ولا يجوز تأسيس الإدانة على مجرد الشك أو الوصف المجرد دون سند فني وقانوني.
سادساً: أركان جريمة الغش في الأغذية
1 – الركن المادي
يتحقق الركن المادي بحسب الصورة القانونية المسندة إلى المتهم.
فقد يكون الفعل هو:
أولاً: غش الغذاء أو الشروع في غشه وكان معداً للبيع.
ثانياً: طرح أو عرض أو بيع غذاء مغشوش أو فاسد أو منتهي الصلاحية مع العلم بحقيقته.
ثالثاً: حيازة بعض الأغذية أو المنتجات بقصد التداول في الحالات التي ينطبق عليها النص الخاص بذلك.
ومن ثم، فإن مجرد العثور على سلعة غير صالحة في مكان ما لا يعني بصورة آلية ثبوت جميع الجرائم في حق كل شخص موجود بالمكان؛ إذ يتعين تحديد صلة المتهم بالمضبوطات ودوره في إنتاجها أو تخزينها أو تداولها أو عرضها للبيع، وقد أكدت محكمة النقض هذا المعنى في العديد من أحكامها، فقررت أن ثبوت مسؤولية الشخص لا يقوم لمجرد كونه مورداً أو مرتبطاً بعملية التوريد، وإنما يجب أن يثبت أنه ارتكب فعل الغش أو أنه كان عالماً بالغش عند التوريد.
2- الركن المعنوي – العلم بالغش أو الفساد
الأصل أن جريمة الغش في صورتها العمدية تستلزم توافر القصد الجنائي، ويتمثل ذلك في علم المتهم بحقيقة السلعة واتجاه إرادته إلى ارتكاب الفعل المؤثم، وقد استقرت أحكام النقض على أهمية إثبات العلم بالغش أو الفساد في الحالات التي يتطلب فيها النص ذلك، وأن مجرد كون الشخص مسؤولاً عن السلعة أو مورداً لها لا يكفي وحده لإثبات العلم في جميع الأحوال.
أن العلم بغش البضاعة المعروضة للبيع من الأمور التي تستخلصها محكمة الموضوع من ظروف الدعوى وأدلتها، متى كان استخلاصها سائغاً وله أصل ثابت في الأوراق، ومن ثم، فإن الدفاع بانتفاء العلم لا يُقبل أو يُرفض على نحو مجرد، وإنما يجب أن تفصل فيه المحكمة على ضوء ظروف الواقعة، ومصدر السلعة، وطريقة تخزينها، وطبيعة المخالفة، وصلـة المتهم بها، وسائر الأدلة.
سابعاً: ما هي أهمية تقرير المعمل في إثبات عدم الصلاحية؟
في جرائم الأغذية، يكون الدليل الفني في كثير من الحالات محورياً في إثبات طبيعة المخالفة، فإذا كانت الواقعة تقوم على أن الحلوى المضبوطة غير صالحة للاستهلاك الآدمي، فإن تقرير الفحص يجب أن يبين الأساس الفني الذي انتهى إليه، ولا سيما إذا كانت عدم الصلاحية لا تظهر بمجرد النظر، وأن الحكم بالإدانة في جريمة عرض غذاء غير صالح للاستهلاك يتطلب استظهار العلم الفعلي بعدم الصلاحية متى كان النص يشترطه، وأن مجرد نتيجة تحليل غير كافية إذا لم تبين المحكمة الأساس الذي أقيم عليه الاستنتاج في الحالات التي تستلزم ذلك.
وفي المقابل، قررت محكمة النقض أن العبرة في تحديد كون الأشياء المضبوطة مغشوشة أو غير صالحة للاستهلاك تكون بحالتها وقت الضبط، فإذا ثبت أنها كانت كذلك وقت الضبط فلا يجدي بعد ذلك الجدل حول إمكانية معالجتها أو جعلها صالحة للاستهلاك في وقت لاحق، وهذا المبدأ بالغ الأهمية في واقعة ضبط كميات كبيرة من الحلوى؛ إذ تكون العبرة بحالة المضبوطات وقت اتخاذ إجراء الضبط وأخذ العينات والفحص وفق الإجراءات القانونية والفنية المقررة.
ثامناً: العقوبات المقررة لجريمة غش الأغذية
يأتي القانون رقم 48 لسنة 1941 المعدل بالقانون رقم 281 لسنة 1994 في مقدمة النصوص العقابية الخاصة.
فوفقاً للمادة الثانية، يعاقب – في صورها المنطبقة – بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تجاوز خمس سنوات، وبغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تجاوز ثلاثين ألف جنيه أو ما يعادل قيمة السلعة موضوع الجريمة أيهما أكبر، وتشتد العقوبة إذا كانت الأغذية المغشوشة أو الفاسدة أو منتهية الصلاحية ضارة بصحة الإنسان أو الحيوان، لتصبح الحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز سبع سنوات، والغرامة لا تقل عن عشرين ألف جنيه ولا تجاوز أربعين ألف جنيه أو ما يعادل قيمة السلعة موضوع الجريمة أيهما أكبر.
كما عاقبت المادة الثالثة بعض صور الحيازة بقصد التداول لغرض غير مشروع، مع تشديد العقوبة في الحالات التي تكون فيها الأغذية أو المنتجات ضارة بصحة الإنسان أو الحيوان، ويكشف ذلك عن إرادة تشريعية واضحة في تشديد الحماية الجنائية عندما يتجاوز الأمر مجرد مخالفة تجارية إلى تهديد فعلي لصحة الإنسان.
تاسعاً: المصادرة كأثر مهم للحكم بالإدانة
لا تقتصر المواجهة القانونية على الحبس والغرامة، وإنما تمتد إلى المضبوطات ذاتها، فالمصادرة في جرائم الأغذية ذات أهمية خاصة، لأنها تستهدف منع إعادة تداول المنتج الضار أو المغشوش في الأسواق، كما أن المصادرة قد تكون عقوبة تكميلية واجبة متى توافرت شروطها القانونية، وأن إغفال القضاء بها في الحالات التي يوجب فيها القانون ذلك يمثل خطأ في تطبيق القانون.
فيما أكدت محكمة النقض أن ثبوت عدم صلاحية الأغذية للاستهلاك وقت الضبط يجعل الجدل حول إمكانية إصلاحها أو معالجتها لاحقاً غير منتج بالنسبة إلى الحالة القانونية للمضبوطات وقت الضبط.
عاشراً: قانون حماية المستهلك ودوره في مواجهة السلع غير المطابقة
لا تقف الحماية التشريعية عند قانون قمع الغش والتدليس وقانون مراقبة الأغذية، وإنما يدعمها قانون حماية المستهلك رقم 181 لسنة 2018، فقد قرر القانون للمستهلك حقوقاً أساسية، في مقدمتها الحق في الصحة والسلامة عند استعمال المنتجات استعمالاً عادياً، والحق في الحصول على المعلومات والبيانات الصحيحة، والحق في اختيار منتجات تتوافر فيها الجودة والمواصفات، والحق في التعويض عن الأضرار التي تلحق به أو بأمواله.
كما ألزم القانون المورد بضمان جودة المنتج وسلامته وتوافر المواصفات التي تم التعاقد عليها، وأعطى المستهلك الحق في استبدال السلعة أو ردها واسترداد قيمتها إذا شابها عيب أو كانت غير مطابقة للمواصفات أو للغرض المتفق عليه، وتتدرج العقوبات في قانون حماية المستهلك بحسب نوع المخالفة، مع وجود نصوص أشد بالنسبة إلى بعض الأفعال التي قد تعرض حياة المستهلك للخطر أو تتصل بسلع محظورة أو ممارسات أشد خطورة، كما أن القانون ذاته يقرر عدم الإخلال بأية عقوبة أشد مقررة في قانون آخر.
ومن ثم، فإن تطبيق قانون حماية المستهلك لا يحول دون تطبيق قانون قمع الغش والتدليس أو قانون مراقبة الأغذية متى توافرت عناصر الجريمة الأشد.
الحادي عشر: تعدد القوانين لا يعني تعدد العقوبات بالضرورة
من النقاط القانونية الدقيقة أن الواقعة الواحدة قد تتداخل بشأنها عدة نصوص تشريعية، فقد تنطوي الواقعة، بحسب ظروفها، على مخالفة لقانون مراقبة الأغذية، وفي الوقت ذاته تتحقق عناصر جريمة الغش المنصوص عليها في قانون قمع التدليس والغش، فضلاً عن مخالفة أحكام قانون حماية المستهلك.
وهنا يجب تحديد النص الخاص المنطبق والنص العقابي الأشد، مع مراعاة قواعد التعدد والارتباط والعقوبة الأشد، وعدم افتراض توقيع عقوبات متعددة لمجرد أن الواقعة تخضع لأكثر من تنظيم قانوني، وقد نص قانون مراقبة الأغذية ذاته على تطبيق العقوبة الأشد في الأحوال التي يقرر فيها قانون آخر عقوبة أشد.
الثاني عشر: هل مجرد ضبط طن من الحلوى غير الصالحة يكفي للإدانة؟
الإجابة القانونية الدقيقة هي: لا يكفي مجرد الضبط وحده، وإنما يمثل الضبط بداية للإجراءات الجنائية، بينما تتوقف الإدانة على ثبوت أركان الجريمة في حق المتهم تحديداً، فإذا أسفرت أعمال الضبط والفحص عن أن كمية الحلوى غير صالحة للاستهلاك الآدمي، فإن ذلك يثبت حالة المضبوطات، لكنه لا يغني بذاته عن إثبات صلة المتهم بها، ودوره في إنتاجها أو تخزينها أو طرحها أو عرضها أو بيعها، وعن إثبات القصد الجنائي حيث يتطلبه النص، كما يتعين أن تكون إجراءات أخذ العينات والتخزين والفحص قد تمت وفق القواعد القانونية والفنية، وأن يكون تقرير الفحص صالحاً للاعتماد عليه في إثبات الحالة الفنية للغذاء.
ومن ناحية أخرى، فإن ضخامة الكمية – كضبط قرابة طن من الحلوى – تمثل بلا شك عنصراً بالغ الدلالة في تقدير خطورة الواقعة وظروفها، لكنها لا تُنشئ وحدها ركناً قانونياً غير مقرر في النص، وفي هذا المعنى، قررت محكمة النقض أن ضخامة الكمية أو جسامة الضرر ليست في ذاتها شرطاً لازماً لقيام الركن المادي لجريمة الغش.
الثالث عشر: المسؤولية الجنائية ليست مسؤولية مفترضة
رغم أهمية حماية المجتمع من الغش الغذائي، فإن ذلك لا يعني جواز إقامة المسؤولية الجنائية على مجرد الظن أو المسؤولية المفترضة، فالقاعدة المستقرة أن المسؤولية الجنائية شخصية، وأنه يتعين إسناد الفعل المؤثم إلى المتهم بدليل معتبر، وإثبات الأركان التي يتطلبها النص، ومن المبادئ المهمة التي كرستها أحكام القضاء أن مجرد كون الشخص مسؤولاً إدارياً أو مورداً أو مرتبطاً بالسلعة لا يكفي، في ذاته، لإثبات ارتكابه فعل الغش أو علمه به، ما لم تستخلص المحكمة من الأدلة والظروف استخلاصاً سائغاً توافر هذه العناصر.
ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين مسؤولية المنتج، ومسؤولية صاحب المنشأة، ومسؤولية المدير الفعلي، ومسؤولية البائع أو العارض، ومسؤولية القائم بالتخزين أو التداول، بحسب الدور الحقيقي لكل شخص في الواقعة والنص القانوني الذي تنطبق أحكامه، وبناءً على ما تقدم فإن ضبط كميات كبيرة من السلع غير الصالحة للاستهلاك الآدمي يمثل واقعة بالغة الخطورة، متى ثبتت عدم الصلاحية بتقرير فني صحيح، لما ينطوي عليه تداول الغذاء الفاسد أو الضار بالصحة من تهديد مباشر لسلامة المواطنين.
أزمة التكييف القانوني الدقيق للواقعة
غير أن التكييف القانوني الدقيق للواقعة لا يقوم على مجرد وصف المضبوطات بأنها "غير صالحة"، وإنما يتطلب تحديد حالة الغذاء، وسبب عدم الصلاحية، والمواصفة القانونية الواجبة التطبيق، وطبيعة المخالفة، وإجراءات أخذ العينات وتحليلها، وصلـة كل متهم بالمضبوطات، ومدى توافر العلم والقصد الجنائي بحسب النص الواجب التطبيق، والقانون المصري أقام منظومة متكاملة لمواجهة هذه الأفعال، تبدأ من قانون مراقبة الأغذية وتنظيم تداولها، مروراً بقانون قمع التدليس والغش المعدل بالقانون رقم 281 لسنة 1994، وصولاً إلى قانون حماية المستهلك رقم 181 لسنة 2018.
وتتدرج الحماية الجنائية بحسب خطورة الفعل؛ فالغش في ذات السلعة، أو بيع الغذاء الفاسد أو المنتهي الصلاحية مع العلم، أو تداول غذاء ضار بالصحة، قد يرتب عقوبات بالغة الشدة تصل إلى الحبس لمدد طويلة والغرامات المرتفعة، فضلاً عن المصادرة، وغيرها من الآثار القانونية التي قد تقررها المحكمة وفق النص المنطبق.
ونرى، إن مكافحة الغش التجاري ليست مجرد حماية للمستهلك من خسارة مالية، وإنما هي في جوهرها حماية للحق في الحياة والصحة والسلامة الجسدية. ولذلك فإن تشديد الرقابة على الأسواق وضبط الأغذية غير الصالحة والمغشوشة يمثل ضرورة لحماية المجتمع، كما أن تطبيق القانون بحزم على من يثبت ارتكابه لهذه الجرائم يحقق الردع العام والخاص، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن الاتجار بصحة المواطنين أو تعريض حياتهم للخطر لن يكون محلاً للتهاون.