الخميس، 13 أغسطس 2026 09:40 م

كيف تدير مصر ميزانية المياه؟.. تبدأ منذ انطلاق موسم الفيضان.. متابعة إيراد المياه والتخزين فى بحيرة ناصر.. خبراء: إدارة المنظومة تعتمد على تعظيم كفاءة الاستخدام والتوسع في إعادة استخدام المياه المعالجة

كيف تدير مصر ميزانية المياه؟.. تبدأ منذ انطلاق موسم الفيضان.. متابعة إيراد المياه والتخزين فى بحيرة ناصر.. خبراء: إدارة المنظومة تعتمد على تعظيم كفاءة الاستخدام والتوسع في إعادة استخدام المياه المعالجة نهر النيل - صورة أرشيفية
الخميس، 13 أغسطس 2026 09:00 م
كتبت أسماء نصار
بينما يترقب كثيرون بداية العام الجديد مع حلول الأول من يناير، هناك تقويم آخر أكثر أهمية بالنسبة لقطاع المياه في مصر، لا يرتبط بالأشهر الميلادية، بل بدورة نهر النيل نفسها، إنه "العام المائى"، الذي يبدأ في الأول من أغسطس من كل عام وينتهي في 31 يوليو من العام التالي، ليشكل الإطار الذي تبنى عليه خطط إدارة الموارد المائية، وتوزيع الحصص، وتشغيل السدود، والاستعداد لموسم الفيضان.
 
ويعد اعتماد السنة المائية أحد أهم أدوات التخطيط التي تعتمد عليها الدولة لإدارة موردها المائي الرئيسي، إذ تتزامن بدايتها مع انطلاق موسم الفيضان القادم من الهضبة الإثيوبية، بما يسمح للجهات المختصة بتقدير الإيرادات المائية ووضع سيناريوهات التشغيل المناسبة وفقًا للظروف الهيدرولوجية المتوقعة.
 
لماذا لا تعتمد مصر على السنة الميلادية؟
يرتبط مفهوم السنة المائية بالطبيعة الموسمية لتدفقات نهر النيل، إذ تبدأ زيادة الإيراد المائي مع موسم الأمطار في دول المنابع خلال شهري يوليو وأغسطس، وتصل ذروة الفيضان في نهاية الصيف وبداية الخريف، ثم تتراجع تدريجيًا حتى بداية الموسم التالي.
 
ولهذا، فإن تقسيم العام وفق الدورة الطبيعية للنهر يمنح مخططي الموارد المائية صورة أكثر دقة عن حجم المياه المتاحة، بدلاً من الاعتماد على التقويم الميلادي الذي يقطع موسم الفيضان إلى جزأين مختلفين، ما قد يربك عمليات التقييم والتخطيط.
 
ميزانية سنوية للمياه
مع بداية كل سنة مائية، تضع وزارة الموارد المائية والري ما يعرف بـ"الميزان المائي"، وهو بمثابة موازنة سنوية تحدد حجم الموارد المائية المتاحة، وأوجه استخدامها في مختلف القطاعات، وفي مقدمتها الزراعة، التي تستهلك النصيب الأكبر من المياه، إلى جانب مياه الشرب والصناعة والاحتياجات البيئية.
 
ولا تعتمد هذه الميزانية على حصة مصر من مياه النيل فقط، بل تشمل أيضًا كميات المياه المعاد استخدامها، والمياه الجوفية، ومياه الأمطار والسيول، فضلاً عن المياه المنتجة من محطات تحلية مياه البحر، التي أصبحت أحد المصادر غير التقليدية المهمة لدعم الأمن المائي.
 
سيناريوهات مرنة لمواجهة المتغيرات
ويؤكد الخبراء أن السنة المائية لا تدار وفق خطة جامدة، وإنما من خلال متابعة يومية لمعدلات الإيراد المائي ومستويات التخزين في بحيرة ناصر، بما يسمح بتعديل سياسات التشغيل إذا طرأت تغيرات على كميات المياه الواردة.
 
وفي سنوات الوفرة، يمكن زيادة كميات المياه المخصصة لبعض الاستخدامات أو تخزين الفائض، بينما تفعل في سنوات الشح إجراءات لترشيد الاستخدام وتعظيم الاستفادة من كل متر مكعب، مع الحفاظ على تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين.
 
بحيرة ناصر.. صمام الأمان
وتمثل بحيرة ناصر الركيزة الأساسية في إدارة السنة المائية، حيث تؤدي دور "الخزان الاستراتيجي" الذي تستند إليه الدولة في مواجهة تذبذب الإيرادات المائية، فمن خلالها يتم تخزين مياه سنوات الفيضان المرتفع لاستخدامها خلال فترات انخفاض التدفقات، بما يضمن استمرار توفير المياه على مدار العام.
 
ويتيح هذا المخزون الاستراتيجي مرونة كبيرة في تشغيل منظومة الري، ويحد من تأثير التقلبات المناخية أو التغيرات المفاجئة في إيرادات النهر.
 
التغيرات المناخية تزيد من أهمية التخطيط
ويؤكد الخبراء أن إدارة السنة المائية أصبحت أكثر تعقيدًا في ظل التغيرات المناخية، التي تؤثر على معدلات سقوط الأمطار في دول المنابع، وتزيد من احتمالات تكرار الظواهر المناخية المتطرفة، سواء في صورة فيضانات استثنائية أو فترات جفاف ممتدة، لذلك تعتمد الدولة على نماذج التنبؤ الهيدرولوجي، وبيانات الأقمار الصناعية، ومحطات الرصد، لمتابعة تطورات موسم الفيضان واتخاذ قرارات تشغيلية سريعة تضمن الحفاظ على التوازن بين الموارد والاحتياجات.
 
من إدارة الوفرة إلى تعظيم الكفاءة
ويشير الخبراء إلى أن إدارة السنة المائية لم تعد تقتصر على توزيع المياه المتاحة، بل أصبحت تعتمد على تعظيم كفاءة استخدامها من خلال التوسع في إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي، وتنمية موارد المياه الجوفية، وإنشاء محطات تحلية مياه البحر، وتحديث نظم الري، بما يرفع كفاءة استغلال كل قطرة مياه.
 
كما تسهم هذه الإجراءات في تعزيز قدرة الدولة على مواجهة الضغوط المتزايدة الناتجة عن النمو السكاني والتوسع العمراني والتحديات الإقليمية المتعلقة بالموارد المائية.
 
تخطيط يبدأ مع أول قطرة
ومع حلول الأول من أغسطس من كل عام، لا تبدأ مصر عامًا مائيًا جديدًا فحسب، بل تبدأ دورة جديدة من التخطيط والإدارة الدقيقة لأحد أكثر مواردها حيوية، فكل قطرة تصل إلى بحيرة ناصر تدخل ضمن حسابات معقدة توازن بين احتياجات الحاضر ومتطلبات المستقبل، في معادلة تهدف إلى الحفاظ على الأمن المائي وضمان استمرار التنمية رغم محدودية الموارد وتزايد التحديات.

print