لم تعد صناعة مواد البناء في مصر مجرد قطاع يرتبط بحركة التشييد والعمران، وإنما تحولت إلى أحد المحاور الرئيسية في استراتيجية الدولة لتوطين الصناعات المتخصصة، وتعميق التصنيع المحلي، وبناء سلاسل إمداد قادرة على تلبية احتياجات السوق، بل والمنافسة في الأسواق الخارجية.
وتضع خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية المقدمة من وزير التخطيط الدكتور أحمد رستم ووافق عليها البرلمان بغرفتيه (مجلسي النواب، الشيوخ) صناعة مواد البناء ضمن القطاعات المستهدفة بالتوطين، من خلال التركيز على الصناعات المغذية لقطاع التشييد، حيث تستهدف وزارة الصناعة نحو 23 صناعة واعدة، من بينها خامات ومواد البناء، بما يسهم في تقليل الاعتماد على الاستيراد وزيادة القيمة المضافة للإنتاج المحلي.
ويأتي ذلك بالتوازي مع طرح 414 وحدة صناعية كاملة التجهيز والمرافق داخل 12 مجمعًا صناعيًا في 11 محافظة، ضمن استراتيجية وزارة الصناعة لتوطين الصناعة ودعم سلاسل الإمداد. وتضم هذه المجمعات أنشطة متنوعة، من بينها الصناعات الهندسية والكيماوية والبلاستيكية والمعدنية، إلى جانب مواد البناء وغيرها من الصناعات.
«ابدأ».. التكنولوجيا تدخل خطوط الإنتاج
وتحضر المبادرة الوطنية لتطوير الصناعة "ابدأ" كأحد محركات هذا المسار، عبر دعم مشاركة القطاع الخاص، ونقل وتوطين التكنولوجيا، وتوفير مستلزمات الإنتاج محليا، بما يفتح المجال أمام نمو الصناعات المغذية لقطاع البناء والتشييد.
ولا يتوقف التوجه عند زيادة الإنتاج المحلي، وإنما يمتد إلى تحديث تكنولوجيا صناعة مواد البناء ودعم التصنيع الأخضر، في محاولة لتحويل القطاع من مستهلك للطاقة والموارد إلى صناعة أكثر كفاءة واستدامة.
175 مليون يورو للزجاج المتخصص
وتكشف الاستثمارات الجديدة عن طبيعة الصناعات المستهدفة، حيث تستهدف وزارة الصناعة جذب استثمارات أجنبية لتشغيل أول مصنع متخصص لإنتاج الزجاج بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، باستثمارات تصل إلى 175 مليون يورو، ليصبح أكبر مصانع المجموعة في الشرق الأوسط وإفريقيا.
ويستهدف المصنع إنتاج نحو 900 طن يوميا من الزجاج المستخدم في صناعات السيارات والطاقة الشمسية، على أن يُسهم الإنتاج المحلي في خفض فاتورة الاستيراد بنحو 35 مليون دولار سنويا.
وفي مسار موازي، يأتي مصنع لإنتاج الألواح الجبسية بمدينة السادات باستثمارات تبلغ 40 مليون يورو، مع استهداف تصدير نحو 60% من إنتاجه، بما يوفر نحو 600 فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.
مواد البناء.. القطاع الذي قلب معادلة التجارة
وتكشف أرقام التجارة الخارجية عن التحول الذي يشهده القطاع؛ فقد تصدر قطاع مواد البناء قائمة القطاعات التصديرية في عام 2025، بصادرات بلغت نحو 14.9 مليار دولار، مقابل 6.4 مليار دولار في 2021، بما يعكس نمو القدرة التنافسية للمنتجات المصرية وزيادة الطلب الخارجي عليها.
وفي المقابل، ظلت الواردات أكثر استقرارا نسبيًا، لترتفع من 12.2 مليار دولار في 2021 إلى 13.9 مليار دولار في 2025، وهو ما يعكس تحسنا في جهود إحلال الواردات وتعميق التصنيع المحلي.
والنتيجة الأبرز ظهرت في الميزان التجاري للقطاع، الذي تقلص عجزه تدريجيا قبل أن يتحول في 2025 إلى فائض يقارب مليار دولار، في تحول يعكس تغيرا مهما في هيكل تجارة مواد البناء المصرية.
العمارة الخضراء.. رهان جديد للصناعة
ومع توسع الطلب على مواد البناء، تتجه الحكومة أيضا إلى تبني مفهوم العمارة الخضراء باعتباره أحد الحلول التي يمكن أن تعزز كفاءة الصناعة، من خلال خفض تكاليف الإنتاج بما قد يصل إلى 20%، وتقليل زمن التنفيذ، بما يدعم تنشيط سوق مواد البناء ويرفع قدرته التنافسية.
وتتقاطع هذه التوجهات مع توقعات النمو القوية لقطاع التشييد والبناء، حيث تشير تقديرات "فيتش" إلى تسارع معدل النمو الحقيقي للقطاع من 4.1% في 2025/2024 إلى 5.6% في 2027/2026، ثم 6.6% في 2028/2027، مع متوسط نمو سنوي طويل الأجل يقدر بنحو 6.3% خلال الفترة 2026-2035.
ويأتي هذا النمو مدفوعا بالزخم القوي في مشروعات البنية التحتية، خاصة الطاقة والمرافق والنقل، إلى جانب التوسع الحضري والحاجة المتزايدة إلى شبكات النقل والطاقة والبنية الأساسية.
166.6 مليار دولار.. خريطة مشروعات تدعم الطلب
وتشير التقديرات إلى أن قيمة مشروعات التشييد في مصر تبلغ نحو 166.6 مليار دولار، فيما تمثل المشروعات التي تتجاوز قيمتها 30 مليون دولار نحو 34.5% من إجمالي قيمة المشروعات.
ومع استمرار تنفيذ مشروعات النقل، ومن بينها شبكة السكك الحديدية عالية السرعة الممتدة لنحو 2000 كيلومتر وتخدم قرابة 60 مدينة، إلى جانب التوسع في الطاقة المتجددة وتحلية المياه، تتسع قاعدة الطلب على منتجات مواد البناء.
وهكذا، تتحرك صناعة مواد البناء في مصر على أكثر من مسار في الوقت نفسه: توطين الصناعات المغذية، إحلال الواردات، نقل التكنولوجيا، التصنيع الأخضر، وزيادة الصادرات.
فالمعادلة الجديدة لم تعد "نبني أكثر" فقط، وإنما "نُصنّع ما نبني به"، لتتحول طفرة التشييد والبنية الأساسية إلى فرصة لبناء صناعة مصرية أكثر عمقا، وأقل اعتمادا على الخارج، وأكثر قدرة على المنافسة في الأسواق العالمية.