الأربعاء، 12 أغسطس 2026 10:45 ص

عدالة "Zoom" وصلاح.. هل يجوز حلف اليمين الحاسمة عن بُعد؟.. خبير: لا نص يمنع والقرار للمحكمة.. ويُشترط التحقق اليقيني من هوية اللاعب وانفراده بمكان الحلف لضمان سلامة الإرادة وحجية الحكم النهائي

عدالة "Zoom" وصلاح.. هل يجوز حلف اليمين الحاسمة عن بُعد؟.. خبير: لا نص يمنع والقرار للمحكمة.. ويُشترط التحقق اليقيني من هوية اللاعب وانفراده بمكان الحلف لضمان سلامة الإرادة وحجية الحكم النهائي محمد صلاح واليمين الحاسمة - أرشيفية
الأربعاء، 12 أغسطس 2026 09:00 ص
كتب علاء رضوان

أثارت واقعة طلب أحد المتقاضين تمكين خصمه، الموجود خارج البلاد، من حضور جلسة المحاكمة عن بُعد عبر تقنية الاتصال المرئي، وأداء اليمين الحاسمة أمام المحكمة، تساؤلًا قانونيًا مهمًا يتجاوز شخص أطراف النزاع، ويفتح بابًا واسعًا أمام إشكالية حديثة تفرض نفسها على القضاء المصري مع التطور المتسارع في وسائل الاتصال والتقاضي الإلكتروني.

 

وتتمثل الواقعة محل البحث في أن أحد المحامين أقام دعوى مدنية ضد اللاعب محمد صلاح للمطالبة بأتعاب عن بعض أعمال المحاماة، وطلب توجيه اليمين الحاسمة إليه، فقررت المحكمة تأجيل الدعوى إلى جلسة 6 سبتمبر لحضور محمد صلاح وتوجيه اليمين الحاسمة إليه.   

 

306841998268020260809050756756

 

هل يجوز للاعب محمد صلاح أداء اليمين الحاسمة أمام المحكمة عن بُعد "Zoom" أو "الفيديو كونفرانس"؟

 

في التقرير التالى، يلقى "برلماني" الضوء على حزمة من التساؤلات والإجابة عليها، فبحسب المعروض، فإن محمد صلاح موجود حاليًا في مدينة طرابزون التركية، وهو ما يثير التساؤل:-هل يجوز قانونًا أن يتقدم بطلب إلى المحكمة لتمكينه من الحضور في الجلسة عن بُعد عبر Zoom أو الفيديو كونفرانس، وأن يؤدي اليمين الحاسمة بهذه الوسيلة، بحيث ينتج الحلف آثاره القانونية الكاملة؟ - بحسب الخبير القانوني والمحامى بالنقض هانى صبرى.

 

في البداية - الإجابة الدقيقة تقتضي التمييز بين أمرين مختلفين:-"1- الحضور أو المشاركة في إجراءات الدعوى عن بُعد، 2- أداء اليمين الحاسمة عن بُعد"، فالأول أوسع نطاقًا وأقل تعقيدًا، أما الثاني فيرتبط بإجراءات إثبات رسمية رتب المشرع على الحلف أو النكول عنها آثارًا حاسمة في الخصومة، ولذلك لا يكفي فيه مجرد إمكان الاتصال المرئي من الناحية التقنية – وفقا لـ"صبرى". 

 

20220207043303333

 

أولًا: اليمين الحاسمة ليست مجرد وسيلة عادية للإثبات

 

نظم المشرع المصري اليمين الحاسمة في الباب السادس من قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية الصادر بالقانون رقم 25 لسنة 1968، وتنص المادة 114 على أن لكل من الخصمين أن يوجه اليمين الحاسمة إلى خصمه الآخر، مع منح القاضي سلطة منع توجيهها إذا كان الخصم متعسفًا في توجيهها، كما اشترطت المادة 115 ألا تكون الواقعة محل اليمين مخالفة للنظام العام، وأن تكون متعلقة بشخص من وجهت إليه اليمين، فإن لم تكن شخصية له انصبت على مجرد علمه بها – هكذا يقول "صبرى".  

 

وهنا تظهر الطبيعة الخاصة لليمين الحاسمة؛ فهي ليست شهادة يدلي بها الغير، وليست مجرد إقرار كتابي، وإنما هي احتكام من الخصم إلى ذمة خصمه وضميره في واقعة منتجة في النزاع، وقد استقر على تعريف اليمين الحاسمة بأنها اليمين التي يوجهها الخصم إلى خصمه، محتكمًا إلى ذمته، في أمر يمثل مقطع النزاع، ويعوزه الدليل على ثبوته، ويترتب على حلفها أو النكول عنها حسم النزاع في حدود الواقعة التي انصبت عليها – طبقا لـ"صبرى". 

 

ظظسس

 

وفي هذا المعنى قضت محكمة النقض بأن اليمين الحاسمة إذا حلفها الخصم أو نكل عنها ترتب على ذلك حسم النزاع في الواقعة محل الحلف، بحيث يصبح الدليل المستمد من الحلف أو النكول دعامة كافية لحمل قضاء الحكم، وذلك في الطعن رقم 1419 لسنة 58 قضائية – جلسة 27 مارس 1989، ومن ثم، فإن التعامل مع أداء اليمين الحاسمة باعتباره مجرد "إجابة عن سؤال عبر الإنترنت" لا يتفق مع طبيعتها القانونية.

 

ثانيًا: ما الأثر القانوني لحلف محمد صلاح اليمين أو امتناعه عنها؟

 

هذه النقطة هي جوهر المسألة، فقد نصت المادة 117 من قانون الإثبات على عدم جواز إثبات كذب اليمين بعد أدائها، إلا في الحدود التي رسمها القانون، كما رتبت المادة 118 أثرًا بالغ الخطورة على النكول، إذ قررت أن من وجهت إليه اليمين فنكل عنها دون ردها إلى خصمه، ومن ردت إليه اليمين فنكل عنها، خسر دعواه، وقد استقر الفقه والقضاء على أن حلف اليمين الحاسمة يحسم النزاع فيما انصبت عليه، ويصبح مضمونها حجة ملزمة للقاضي؛ فإذا تضمنت إقرارًا بدعوى المدعي حكم له بموجبها، وإذا تضمنت إنكارًا حكم برفض الدعوى لعدم قيام الدليل عليها بعد سقوط حق من وجه اليمين في التمسك بدليل آخر بالنسبة للواقعة محل اليمين – كما أوضح الخبير القانونى.

 

ملحوظة:

 

وقضت محكمة النقض بأن: "حلف من وجهت إليه اليمين الحاسمة يحسم النزاع فيما انصبت عليه ويقوم مضمونها حجة ملزمة للقاضي"، وهو ما يجعل إجراءات حلفها مسألة جوهرية وليست شكلية هامشية. 

 

images (2)

 

ثالثًا: ماذا أوجب القانون إذا لم يكن الخصم حاضرًا؟

 

هنا نصل إلى النص الأكثر أهمية في الواقعة محل البحث، فقد عالج المشرع حالة عدم حضور من وجهت إليه اليمين الحاسمة، وأوجب اتباع إجراءات محددة لحضوره وحلفها، وتقرر المادة 124 من قانون الإثبات أنه إذا لم يكن من وجهت إليه اليمين حاضرًا، وجب تكليفه بالحضور لحلفها بالصيغة التي أقرتها المحكمة وفي اليوم الذي حددته، فإذا حضر وامتنع عن الحلف أو تخلف بغير عذر اعتبر ناكلًا.

 

وهذا النص يكشف عن أمرين في غاية الأهمية:-

 

الأول: أن المشرع اعتبر حضور الخصم ذاته لحلف اليمين أمرًا جوهريًا.

 

الثاني: أن القانون لم يرتب النكول بمجرد عدم وجود الخصم في قاعة المحكمة، وإنما ربطه بإجراءات سابقة صحيحة، ثم تخلف الخصم أو امتناعه دون عذر.

 

وقد أكدت محكمة النقض هذا المعنى بصورة واضحة: أن المادة 124 تدل على أنه إذا صدر الحكم بتوجيه اليمين الحاسمة في غيبة المكلف بالحلف، وجب تكليفه بالحضور لحلف اليمين بالصيغة التي أقرتها المحكمة وفي اليوم الذي حددته، فإذا حضر وامتنع عن الحلف ولم يردها ولم ينازع اعتبر ناكلًا، وإذا تغيب وجب على المحكمة بحث سبب غيابه، فإن كان بغير عذر اعتبر ناكلًا، وهذا الحكم بالغ الأهمية في الواقعة محل البحث؛ لأنه يبين أن حضور الشخص لحلف اليمين ليس مجرد حضور شكلي، وإنما هو جزء من البناء الإجرائي الذي يترتب عليه بعد ذلك اعتبار الشخص حالفًا أو ناكلًا. 

 

رئيسية

 

رابعًا: هل وجود محمد صلاح في تركيا يمنع توجيه اليمين إليه؟

 

لا - مجرد وجود الخصم خارج مصر لا يسقط حق خصمه في طلب توجيه اليمين الحاسمة متى توافرت شروطها القانونية – لكن - وجوده خارج البلاد قد يثير مسألة أخرى، وهي مدى مشروعية وملاءمة إلزامه بالحضور شخصيًا إلى مصر لأداء اليمين، ومدى إمكان إيجاد وسيلة قانونية بديلة تحقق الغرض ذاته دون الإخلال بضمانات اليمين الحاسمة.

 

وهنا يأتي حكم مهم جدًا لمحكمة النقض المصرية، ففي الطعن رقم 481 لسنة 51 قضائية – جلسة 6 ديسمبر 1984 كانت الواقعة تتعلق بخصم يقيم في كندا، ووجهت إليه يمين حاسمة، وطلب وكيله إحالة الدعوى إلى محكمة مونتريال ليحلف موكله اليمين أمامها، وقد بحثت محكمة النقض المسألة في إطار النصوص المنظمة لليمين الحاسمة، وقررت أن تقدير العذر في التخلف عن الحضور لحلف اليمين من مسائل الواقع التي تستقل بها محكمة الموضوع متى أقامت قضاءها على أسباب سائغة.

 

والأهم أن محكمة الموضوع كانت قد رأت أن الإصرار على توجيه اليمين إلى شخص يقيم في كندا، مع تعذر حضوره، يمكن أن يشكل تعسفًا في توجيهها بحسب ظروف الدعوى، وهذا الحكم يقدم أساسًا مهمًا للغاية لفهم المسألة الحديثة: المشرع لم يجعل وجود الخصم خارج مصر مانعًا بذاته من اليمين، لكنه لم يتجاهل في الوقت ذاته الاعتبارات العملية والإنسانية والقضائية التي قد تجعل حضوره الشخصي متعذرًا أو بالغ المشقة – كما يرى "صبرى". 

 

images (1)

 

خامسًا: هل يجوز استبدال الحضور الفعلي بالحضور عبر Zoom؟

 

يُجيب "صبرى": هنا يجب أن نكون شديدي الدقة، فلا يوجد – في النصوص المنظمة لليمين الحاسمة في قانون الإثبات المصري – نص صريح يقول إن الخصم يجوز له أداء اليمين الحاسمة عبر Zoom أو أي منصة اتصال مرئي، وهذه ملاحظة قانونية جوهرية، فالتطور التكنولوجي لا يعني تلقائيًا أن كل إجراء قضائي يمكن نقله إلى البيئة الإلكترونية دون نص أو تنظيم يحدد كيفية إجرائه وضماناته.

 

ومن ناحية أخرى، فإن قانون الإثبات عندما نظم أداء اليمين افترض حضور الحالف أمام المحكمة وفق الإجراءات التي حددها القانون، ومن ثم، لا يمكن القول إن لمحمد صلاح حقًا قانونيًا مطلقًا في أن يفرض على المحكمة استخدام Zoom لتمكينه من أداء اليمين، لكن هذا لا يعني أيضًا أن الطلب غير جائز قانونًا من حيث المبدأ.

 

والأدق قانونًا أن يقال: يجوز لمحمد صلاح أن يتقدم إلى المحكمة بطلب تمكينه من الحضور وأداء اليمين عن بُعد، إلا أن قبول الطلب يخضع لتقدير المحكمة ولمدى توافر الأساس القانوني والإجرائي الذي يضمن أن الاتصال المرئي يحقق ذات الضمانات التي قصد إليها المشرع عند تنظيم الحلف الحضوري، وهذه صياغة أكثر دقة من القول إن "Zoom جائز" بصورة مطلقة، أو القول العكسي بأن "الحلف عن بُعد باطل حتمًا". 

 

111

 

سادسًا: لا ينبغي الخلط بين التقاضي المدني والتقاضي الجنائي عن بُعد

 

قد يثور استناد إلى قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025، الذي أفرد بابًا خاصًا للتحقيق والمحاكمة عن بُعد باستخدام وسائل وتقنيات الاتصال الحديثة المسموعة والمرئية، وقد نظم القانون في مواده المتعلقة بالمحاكمة عن بُعد الضمانات الخاصة باستخدام تلك الوسائل، بما في ذلك الحضور والمواجهة والسرية وتسجيل الإجراءات وحفظها، إلا أن هذه النصوص تخص الدعوى الجنائية وإجراءات التحقيق والمحاكمة الجنائية، ولا يجوز إسقاطها تلقائيًا على دعوى أتعاب المحاماة المدنية محل البحث.

 

وبالتالي، فإن الاستناد إلى مواد قانون الإجراءات الجنائية الجديد باعتبارها سندًا مباشرًا لإلزام محكمة مدنية بتمكين محمد صلاح من أداء اليمين الحاسمة عبر Zoom سيكون استنادًا غير دقيق من الناحية القانونية، والصحيح هو أن المسألة المدنية يجب أن تبحث أساسًا في ضوء:

1- قانون المرافعات المدنية والتجارية؛

2- قانون الإثبات رقم 25 لسنة 1968؛

3- المبادئ العامة في صحة الإجراءات القضائية؛

4- حق الدفاع والمواجهة؛

5- وما قد يكون قد صدر من تنظيمات قضائية أو قرارات إدارية تسمح باستخدام وسائل الاتصال الحديثة في الإجراءات المدنية.  

 

images (3)

 

سابعًا: لماذا يمثل أداء اليمين عبر الفيديو إشكالية قانونية أكبر من مجرد حضور جلسة؟    

 

لأن المحكمة لا تحتاج في الحضور عن بُعد إلى أكثر من التأكد من هوية الشخص وتمكينه من مباشرة حقوقه الإجرائية، أما اليمين الحاسمة، فالمحكمة أمام إجراء إثبات له أثر مباشر وحاسم في موضوع الدعوى، ولذلك ينبغي – إذا قبلت المحكمة هذا الأسلوب – أن تتأكد من مجموعة من الضمانات، أهمها:-

1 – التحقق اليقيني من شخصية الحالف

يجب أن تتأكد المحكمة من أن الشخص الموجود أمام الكاميرا هو بالفعل محمد صلاح، وليس شخصًا آخر، وهذا يستلزم، بحسب ما تراه المحكمة مناسبًا، استخدام وسائل رسمية للتحقق من الهوية، وليس مجرد فتح رابط Zoom.

2 – التأكد من إرادته الحرة

يجب أن يكون الحلف صادرًا عن إرادة حرة، دون إكراه أو تلقين أو تدخل من شخص آخر موجود خارج نطاق رؤية الكاميرا.

3 – ضمان عدم وجود شخص يلقنه الإجابة

وهذه نقطة شديدة الأهمية في اليمين الحاسمة؛ لأن أثرها القانوني يتعلق بذمة الحالف شخصيًا.

لذلك يجب أن تتمكن المحكمة من التحقق من عدم وجود شخص آخر يوجهه أو يؤثر في إجابته.

4 – وضوح صيغة اليمين

المادة 122 من قانون الإثبات أوجبت أن يبين من يوجه اليمين بدقة الوقائع التي يريد استحلاف خصمه عليها، وأن يذكر صيغة اليمين بعبارة واضحة، كما أجازت المادة 123 للمحكمة تعديل الصيغة بحيث تكون واضحة ودقيقة بالنسبة إلى الواقعة المطلوب الحلف عليها.

ومن ثم يجب أن تكون صيغة اليمين المعتمدة هي ذاتها التي يؤديها الحالف دون تغيير أو التباس.

5 – إثبات الإجراء في محضر رسمي

يجب أن يثبت في محضر الجلسة أن اليمين أديت، وصيغتها، وهوية الحالف، وكيفية التحقق من شخصيته، ووسيلة الاتصال المستخدمة، وأي ضمانات اتخذتها المحكمة. 

 

images (4)

 

ثامنًا: هل يمكن للمحكمة أن تعتبر الاتصال المرئي "حضورًا"؟

 

هذه هي المنطقة القانونية الأكثر قابلية للنقاش، فالقانون المدني الإجرائي التقليدي يتحدث عن "الحضور" و"التكليف بالحضور"، لكنه لم يوضع في الأصل في عصر المنصات الإلكترونية الحديثة.

 

ومن هنا يمكن بناء اتجاهين قانونيين:

 

الاتجاه الأول: التفسير الحرفي

 

يرى أن الحضور المقصود في المواد المنظمة لليمين الحاسمة هو الحضور أمام المحكمة بالمعنى المادي، وأن النص لم يقرر صراحة جواز استبداله بحضور افتراضي وعلى هذا الرأي، لا يجوز ترتيب الأثر القانوني لليمين الحاسمة على مجرد أداء اليمين عبر Zoom إلا إذا وجد سند تشريعي أو تنظيمي يسمح بذلك.

 

الاتجاه الثاني: التفسير الوظيفي

 

ويرى أن العبرة ليست بالمكان المادي الذي يوجد فيه الخصم، وإنما بتحقق الغاية التي استهدفها القانون من الحضور، وهي:

1- التحقق من شخص الحالف؛

2- سماع اليمين مباشرة؛

3- ضمان حريته في أدائها؛

4- تمكين المحكمة من توجيهها إليه؛

5- إثبات الواقعة في محضر رسمي؛

6- وتمكين الخصم الآخر من حضور الإجراء ومراقبته.

 

فإذا أمكن تحقيق هذه الضمانات بصورة موثوقة من خلال نظام اتصال مرئي مؤمَّن وتحت إشراف المحكمة، فقد يكون من الممكن – من منظور التفسير الوظيفي – اعتبار المشاركة الإلكترونية وسيلة لتحقيق الغرض الإجرائي من الحضور، لكن هذا الاتجاه يظل اجتهادًا في مجال اليمين الحاسمة، وليس قاعدة تشريعية مصرية صريحة مستقرة، وهنا تكمن أهمية أن يصدر الأمر من المحكمة ذاتها، لا أن ينفذ الخصم الإجراء من تلقاء نفسه. 

 

20230909050957957

 

تاسعًا: لا يكفي أن يكون التطبيق "Zoom"

 

ومن الخطأ القانوني اختزال المسألة في سؤال: "هل Zoom قانوني؟"، فالمشكلة ليست في اسم التطبيق يمكن استخدام Zoom أو Microsoft Teams أو أي نظام آخر من الناحية التقنية، لكن القيمة القانونية للإجراء لا تتوقف على اسم المنصة، وإنما على مدى اعتماد الوسيلة وضماناتها وقدرة المحكمة على السيطرة الكاملة على الإجراء وإثباته.

 

فالفرق كبير بين: "محمد صلاح سيظهر أمام المحكمة على Zoom من تركيا"، وبين: "قررت المحكمة إجراء الحلف عن بُعد بواسطة وسيلة اتصال مرئي مؤمّنة وتحت إشرافها المباشر، بعد التحقق الرسمي من شخصية الحالف، وضمان انفراده بمكان الحلف، وسماع صيغة اليمين التي أقرتها المحكمة، وإثبات جميع الإجراءات في محضر الجلسة".

 

الثانية هي التي يمكن أن تخضع لتحليل قانوني جدي.

 

عاشرًا: ماذا لو حضر محمد صلاح عن بُعد ولكنه رفض الحلف؟

 

هنا يجب التفرقة بين الرفض والتغيب، فمحكمة النقض قررت أن منازعة الخصم في جواز اليمين أو تعلقها بالدعوى يجب أن تفصل فيها المحكمة أولًا، ولا يجوز اعتباره ناكلًا قبل الفصل في هذه المنازعة، وقد أكدت محكمة النقض أن الخصم إذا نازع في اليمين الموجهة إليه، فإنه يتعين على المحكمة أن تفصل في منازعته، وأن توجه إليه اليمين على مقتضى ما تنتهي إليه، وتحدد له جلسة لحلفها إذا رأت توجيهها، ولا يجوز اعتبار الخصم ناكلًا قبل الفصل في هذه المنازعة.  

 

ومن ثم، فإذا ظهر محمد صلاح أمام المحكمة عن بُعد وقال إن اليمين غير جائزة أو غير متعلقة بالدعوى، فلا يجوز تجاوز هذه المنازعة والقول فورًا إنه ناكل، أما إذا رفض أداء يمين صحيحة، بعد أن تكون المحكمة قد فصلت في أي منازعة بشأنها، فقد تترتب آثار النكول وفق القانون. 

 

4563-4563-images

 

الحادي عشر: هل يجوز لمحمد صلاح أن يوكل محاميًا ليحلف اليمين نيابة عنه؟

 

الأصل أن اليمين الحاسمة تتعلق بذمة الخصم شخصيًا، ولا يجوز اختزالها في مجرد وكالة عادية للمحامي، وقد عالج قانون الإثبات مسألة الوكالة في توجيه اليمين وردها وقبولها، واشترط في بعض الحالات التوكيل الخاص، وقد أكدت محكمة النقض في أحكامها أهمية التوكيل الخاص فيما يتعلق بالتصرفات الإجرائية الخاصة باليمين الحاسمة.

 

وفي الطعن رقم 1419 لسنة 58 قضائية – جلسة 27 مارس 1989 ناقشت محكمة النقض أثر التوكيل في توجيه اليمين وقبولها وردها، واعتبرت أن وجود التصريح بذلك في التوكيل أمر له أثره في صحة الإجراء.  

 

أما أداء اليمين ذاتها، فهو بطبيعته متعلق بذمة الشخص الذي وجهت إليه، ولذلك لا يجوز أن يحلفها عنه محاميه لمجرد وجود توكيل في الدعوى، ومن هنا فإن الحضور عن بُعد، إذا قبلته المحكمة، لا يعني أن اليمين أصبحت قابلة للأداء بواسطة وكيل؛ بل يجب أن يؤديها محمد صلاح نفسه. 

 

20220207043303333

 

الثاني عشر: ما مدى حجية الحكم الصادر بناء على اليمين؟

 

هذه النقطة تفسر لماذا يجب التشدد في سلامة الإجراء، فقد استقر قضاء محكمة النقض على أن الأحكام الصادرة بناء على اليمين الحاسمة لا تقبل الطعن فيها بطرق الطعن العادية متى كان توجيه اليمين وحلفها أو النكول عنها قد تم وفق القانون.

 

وقد قررت محكمة النقض في الطعن رقم 4837 لسنة 74 قضائية – جلسة 18 مارس 2019 أن الحكم الصادر بناء على اليمين الحاسمة تكون له قوة الأمر المقضي، ولا يقبل الطعن فيه إلا في الحدود التي تتصل ببطلان إجراءات توجيه اليمين أو حلفها أو النكول عنها أو توجيهها في غير حالاتها القانونية.

 

وهذا يعني أن المحكمة يجب أن تكون شديدة الحرص في تقريرها بشأن الحلف الإلكتروني؛ لأن أي خلل في التحقق من الشخصية أو في طريقة الحلف أو في ضمانات الإجراء قد يتحول لاحقًا إلى سبب للمنازعة في صحة الإجراء ذاته. 

 

images (2)

 

الثالث عشر: هل وجود محمد صلاح في تركيا يمثل "عذرًا" لعدم الحضور؟

 

وجوده في تركيا لا يؤدي تلقائيًا إلى اعتباره معذورًا، كما أنه لا يؤدي تلقائيًا إلى اعتباره ناكلًا، فالقاعدة المستقر عليها أن تقدير العذر في التخلف عن الحضور لحلف اليمين من مسائل الواقع التي تستقل بها محكمة الموضوع، متى أقامت قضاءها على أسباب سائغة، وهذا ما أكدته محكمة النقض في الطعن رقم 481 لسنة 51 قضائية، وعليه، فإن إقامة محمد صلاح في تركيا بسبب ارتباطات عمله الاحترافي قد تكون عنصرًا تنظر إليه المحكمة عند تقدير مدى إمكانية حضوره فعليًا، لكنها لا تمنحه تلقائيًا حقًا في الحضور الإلكتروني.

 

وفي المقابل، لا يجوز أن تتحول الإقامة خارج مصر إلى وسيلة تلقائية لاعتباره ناكلًا دون أن تبحث المحكمة ظروف غيابه ومدى وجود عذر جدي.

 

الرابع عشر: الحل القانوني الأكثر اتزانًا في واقعة محمد صلاح

 

في تقديري، فإن أفضل معالجة قانونية ليست أن يتقدم محمد صلاح بطلب مجرد يقول فيه: "أطلب حضور الجلسة على Zoom"، وإنما أن يقدم طلبًا قانونيًا متكاملًا إلى المحكمة يطلب فيه:-

1- إثبات وجوده خارج جمهورية مصر العربية.

2- بيان تعذر أو صعوبة حضوره شخصيًا إلى مصر في الموعد المحدد.

3- التمسك بحقه في الدفاع والمواجهة.

4- طلب تمكينه من الحضور عن بُعد.

5- طلب أداء اليمين الحاسمة شخصيًا عبر وسيلة اتصال مرئي تحت إشراف المحكمة.

6- التزامه بجميع الضوابط التي تضعها المحكمة للتحقق من شخصيته.

7- إتاحة وجود محاميه معه أمام المحكمة، مع ضمان عدم وجود شخص آخر يلقنه أو يؤثر في إجابته.

8- إثبات الإجراء كاملًا في محضر الجلسة.

9- وفي حالة عدم قبول المحكمة أداء اليمين عن بُعد، طلب من المحكمة تحديد الإجراء القانوني البديل الذي تراه مناسبًا، بدلًا من ترتيب أثر النكول تلقائيًا لمجرد وجوده خارج البلاد.

 

وهذا الطلب يحقق التوازن بين حق المدعي في التمسك باليمين الحاسمة وبين حق المدعى عليه في ممارسة دفاعه وعدم ترتيب أثر النكول عليه بسبب عائق جغرافي قد يكون جديًا. 

 

5866-5866-اليمين-الحاسمة

 

الخامس عشر: هل يستطيع محمد صلاح أن يطلب حلف اليمين أمام جهة قضائية في تركيا؟

 

هذه فكرة أخرى يمكن طرحها قانونيًا، لكنها تحتاج إلى تفعيلها من خلال آليات الإنابة أو التعاون القضائي الدولي وليس بمجرد قيامه بحلف اليمين أمام كاتب عدل أو محامٍ في تركيا، فإذا أرادت المحكمة المصرية أن يكون الحلف خارج مقرها، فينبغي أن يكون ذلك في إطار إجراء قضائي معترف به من المحكمة المصرية ويضمن سلامة الإجراء وإثباته وإرساله إلى ملف الدعوى.

 

أما قيام محمد صلاح وحده بحلف اليمين أمام جهة خاصة في تركيا ثم تقديم مستند للمحكمة المصرية، فلا يساوي في ذاته حلف اليمين الحاسمة أمام المحكمة وفق الإجراءات التي رسمها قانون الإثبات.

 

السادس عشر: التكييف القانوني الصحيح للحضور عن بُعد

 

يمكن صياغة الموقف القانوني على النحو الآتي:

أولًا: لا يوجد في قانون الإثبات المصري نص صريح يمنح الخصم حقًا مطلقًا في أداء اليمين الحاسمة عبر Zoom أو الفيديو كونفرانس.

ثانيًا: لا يوجد – في المقابل – نص صريح في أحكام اليمين الحاسمة يجعل استخدام وسائل الاتصال المرئي مستحيلًا في جميع الأحوال.

ثالثًا: لذلك فإن المسألة تقع في نطاق السلطة التقديرية للمحكمة في إدارة الدعوى، بشرط عدم مخالفة النصوص الآمرة المتعلقة باليمين وضمانات الخصومة.

رابعًا: إذا قررت المحكمة السماح بالحلف عن بُعد، فيجب أن تضع ضوابط صارمة للتحقق من شخصية الحالف، وحريته، وسلامة الاتصال، وانفراده، وسماع صيغة اليمين، وإثبات الإجراء.

خامسًا: لا يجوز اعتبار استخدام Zoom في ذاته سندًا قانونيًا مستقلاً؛ فالوسيلة التقنية ليست هي مصدر المشروعية، وإنما قرار المحكمة والإطار الإجرائي الذي يتم في ظله.

سادسًا: إذا رفضت المحكمة الحلف عن بُعد، فلا يترتب على مجرد وجود محمد صلاح في تركيا اعتبارُه ناكلًا دون بحث عذره وظروف غيابه وفقًا للقواعد التي استقر عليها قضاء النقض.

 

السابع عشر: الرأي الراجح

 

في تقديري، وبالنظر إلى النصوص القائمة ومبادئ محكمة النقض، فإن الأدق قانونًا هو عدم القول إن لمحمد صلاح حقًا مكتسبًا في أداء اليمين الحاسمة عبر Zoom، وإنما القول بجواز أن يطلب ذلك من المحكمة، مع ترك تقدير قبول الطلب للمحكمة وفق الضمانات القانونية والإجرائية اللازمة، فإذا كانت المحكمة تملك نظامًا قضائيًا رسميًا للاتصال المرئي، أو رأت أن الوسيلة التقنية المقترحة يمكن أن تحقق بصورة يقينية الغرض الذي استهدفه المشرع من الحضور الشخصي، فقد يكون من الممكن قبول الحلف عن بُعد باعتباره وسيلة حديثة لتنفيذ الإجراء، شريطة أن يتم الإجراء بأمر المحكمة وتحت سيطرتها وإشرافها المباشر، لا بمبادرة منفردة من الخصم. 

 

أما إذا لم تتوافر هذه الضمانات، فإن الحذر القانوني يقتضي عدم ترتيب الآثار الخطيرة لليمين الحاسمة على إجراء إلكتروني غير منظم أو غير موثق على نحو يطمئن معه إلى سلامة شخصية الحالف وإرادته، وبناءً على ما تقدم فإن التطور التكنولوجي فرض على القضاء تحديًا جديدًا: كيف نحافظ على الشكل والضمانات التي قررها القانون، دون أن نجعل المكان الجغرافي عائقًا أمام الوصول إلى العدالة؟

 

وفي واقعة محمد صلاح، فإن وجوده في تركيا لا يسقط عنه حقه في الدفاع، ولا يمنح خصمه في الوقت ذاته حقًا تلقائيًا في اعتباره ناكلًا عن اليمين لمجرد عدم وجوده في مصر.

 

والحل القانوني المتوازن هو:

 

تمكين المحكمة من بحث إمكانية أداء اليمين عن بُعد في إطار قضائي منضبط، مع مراعاة أن اليمين الحاسمة ليست مجرد تصريح شفهي، وإنما دليل قضائي استثنائي تترتب عليه آثار حاسمة في موضوع الدعوى، ومن ثم، فإن قبول المحكمة لأداء اليمين عبر وسيلة اتصال مرئي يجب ألا يكون مبناه مجرد الاعتبارات التقنية أو الرغبة في سرعة الفصل في الدعوى، وإنما يجب أن يقوم على ضمان تحقق جميع العناصر التي تطلبها القانون والقضاء في الحلف الحضوري، وعلى رأسها شخصية الحالف، وحريته، وسلامة إرادته، ووضوح صيغة اليمين، ومواجهة الخصم، وإثبات الإجراء في محضر رسمي تحت إشراف المحكمة.

 

وعليه يمكن صياغة المبدأ القانوني محل البحث على النحو التالي: "لا يحول وجود الخصم خارج البلاد بذاته دون مباشرة حقه في الدفاع أو طلب اتخاذ وسيلة إجرائية تحول دون ترتيب أثر النكول عن اليمين الحاسمة، إلا أن أداء اليمين الحاسمة عن بُعد عبر وسائل الاتصال المرئي لا يستند – في التشريع المصري القائم – إلى نص صريح يقرر للخصم حقًا مطلقًا فيه، وإنما يجوز طلبه من المحكمة، ويظل قبول المحكمة له رهينًا بقدرتها على تحقيق الضمانات القانونية والإجرائية المقررة لحلف اليمين، والتحقق من شخصية الحالف وحريته وسلامة إرادته وإثبات الإجراء رسميًا، وإلا تعذر ترتيب الأثر القانوني لليمين على مجرد اتصال إلكتروني غير مستوفٍ لهذه الضمانات".

 

وهذا الاتجاه، في تقديري، هو الأكثر اتزانًا بين حرفية النصوص القائمة وضرورات العدالة الحديثة، دون التوسع في تفسير النصوص بما ينشئ نظامًا للتقاضي الإلكتروني لم يقرره المشرع صراحة في مجال اليمين الحاسمة، وفي النهاية، مثلما أكدت محكمة النقض، الحكم الصادر بناءً على اليمين الحاسمة لا يجوز الطعن عليه بأي طريق من طرق الطعن، متى تمت إجراءات اليمين صحيحة وفقًا للقانون، وهو أخطر ما في اليمين الحاسمة.  

 

images (1)

 
51_20260228162241
 
الخبير القانونى والمحامى بالنقض هانى صبرى 
 

print