الإثنين، 10 أغسطس 2026 10:45 م

مقامرة "البقاء".. إسرائيل ترفض خطة ترامب وتتمسك بنزع سلاح حماس شرطا للانسحاب من القطاع.. نتنياهو يراهن بملف الحرب بحثًا عن أصوات اليمين ويخاطر بعلاقته مع واشنطن.. وتقارير تحذر من صدام سياسي وشيك مع البيت الأبيض

مقامرة "البقاء".. إسرائيل ترفض خطة ترامب وتتمسك بنزع سلاح حماس شرطا للانسحاب من القطاع.. نتنياهو يراهن بملف الحرب بحثًا عن أصوات اليمين ويخاطر بعلاقته مع واشنطن.. وتقارير تحذر من صدام سياسي وشيك مع البيت الأبيض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب - نتنياهو
الإثنين، 10 أغسطس 2026 09:00 م
كتبت آمال رسلان

بين هدنة مضطربة وخطة أمريكية تحاول التماسك للخروج من حرب غزة، تقف إسرائيل مرة أخرى أمام مفترق طرق شديد الحساسية. ففي الوقت الذي تحاول فيه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دفع الأطراف نحو المرحلة التالية من وقف إطلاق النار، عاد شبح الحرب ليطل من جديد، بعدما وضع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شروطًا تجعل الانسحاب من القطاع مرهونًا بنزع سلاح حركة حماس بالكامل.

وفي تل أبيب، لا يبدو أن الحسابات تتعلق بغزة وحدها. فمع اقتراب الانتخابات العامة الإسرائيلية، يتحرك نتنياهو بين ضغوط البيت الأبيض ومطالب اليمين الإسرائيلي، واضعًا أمن إسرائيل ونزع سلاح حماس في مقدمة خطابه السياسي، حتى لو كان الثمن توسيع مساحة الخلاف مع ترامب، الحليف الذي طالما حرص رئيس الوزراء الإسرائيلي على الحفاظ على دعمه.

وفي هذا المشهد، تبدو العودة إلى الحرب أكثر من مجرد احتمال عسكري؛ إذ تتحول تدريجيًا إلى ورقة سياسية يمكن أن يستخدمها نتنياهو في معركة البقاء داخل السلطة، بينما تصبح خطة ترامب اختبارًا صعبًا لعلاقته مع واشنطن ولقدرته على إقناع الناخب الإسرائيلي بأن أي تنازل في غزة لن يأتي على حساب أمن إسرائيل

المشهد بدأ في التعقيد بعد أن أعلن نتنياهو رفضه الصريح لخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن غزة، وقال خلال الاجتماع الأسبوعي للحكومة الإسرائيلية، :"إسرائيل لا تقبل الوثيقة المكونة من 15 بندًا"، قبل أن يكرر العبارة للتأكيد: "إسرائيل لا تقبل الوثيقة المكونة من 15 بندًا".

ويأتي الرفض في وقت يحاول فيه ترامب دفع خطة لإنهاء الحرب في غزة، تتضمن نزع سلاح حركة حماس وانسحاب القوات الإسرائيلية تدريجيًا من القطاع. وكان المبعوث الخاص لمجلس السلام، نيكولاي ملادينوف، قد أوضح أن نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي يجب أن يحدثا بصورة متزامنة، بما يسمح بانتقال تدريجي إلى مرحلة جديدة من الهدوء وإعادة ترتيب الوضع الأمني في القطاع.

لكن نتنياهو وضع شرطًا مختلفًا تمامًا، مؤكدًا أن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من غزة قبل نزع سلاح حماس بشكل كامل، بما يشمل الأسلحة الثقيلة والخفيفة، مشددًا على أن إسرائيل تريد نزع سلاح حقيقي، وليس نزع سلاح وهميًا.

 

نتنياهو يختار المواجهة مع ترامب

رفض نتنياهو العلني للخطة لا يحمل فقط خلافًا حول تفاصيل تنفيذ الاتفاق، بل ينطوي على مخاطرة سياسية، لأنه يأتي في مواجهة رئيس أمريكي يسعى إلى تقديم أي تسوية في غزة باعتبارها إنجازًا سياسيًا ودبلوماسيًا.

وبحسب تحليل نشرته شبكة "سي إن إن"، فإن نتنياهو، الذي يميل عادة إلى تأجيل القرارات الصعبة أو إبقاء مواقفه غامضة، اختار هذه المرة مواجهة ترامب علنًا لأن حساباته الانتخابية أصبحت أكثر إلحاحًا.

فالانتخابات العامة الإسرائيلية تقترب، وتشير استطلاعات الرأي إلى استمرار الصعوبات التي يواجهها نتنياهو. ويحتاج رئيس الوزراء إلى الحفاظ على دعم أحزاب اليمين، وخاصة اليمين المتطرف، إذا أراد تشكيل ائتلاف حكومي يسمح له بالبقاء في السلطة.

ومن هذه الزاوية، يبدو رفض خطة ترامب موجهًا إلى الداخل الإسرائيلي بقدر ما هو رسالة إلى واشنطن. فجزء كبير من الناخبين الإسرائيليين، رغم تأييدهم لترامب، يرفض أي ترتيبات يرون أنها قد تحد من قدرة إسرائيل على التحرك عسكريًا في غزة، ولهذا، فإن التراجع أمام خطة أمريكية تتضمن انسحابًا إسرائيليًا متزامنًا مع نزع سلاح حماس قد يمنح خصوم نتنياهو، خصوصًا من اليمين، فرصة لاتهامه بالتنازل عن أمن إسرائيل.

 

معادلة البقاء في السلطة تحكم نتنياهو

لا يبدو أن نتنياهو يواجه فقط ضغط ترامب، بل أيضًا ضغط حلفائه المحتملين في الحكومة المقبلة. فقد أثارت أحزاب اليمين المتطرف انتقادات علنية لخطة مجلس السلام، كما طالبت بالتراجع عن ترتيبات تتعلق بنشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار في غزة.

وأفادت إذاعة الجيش الإسرائيلي بأن نتنياهو وافق سرًا على بدء أعمال إعادة الإعمار في منطقة تجريبية داخل القطاع، وهو ما اعتُبر تنازلًا إضافيًا أمام الخطة الأمريكية. لكن رئيس الوزراء حاول في المقابل طمأنة قاعدته السياسية بالتشدد في ملف الانسحاب ونزع السلاح.

وهنا تظهر المفارقة أن نتنياهو قد يكون مستعدًا لتقديم بعض التنازلات خلف الكواليس، لكنه لا يستطيع سياسيًا أن يبدو أمام الناخبين الإسرائيليين وكأنه يقبل انسحابًا إسرائيليًا من غزة قبل القضاء على القدرات العسكرية لحماس.

 

احتمالات تجدد الحرب

هذا التناقض يجعل مستقبل وقف إطلاق النار مرتبطًا بشكل متزايد بالانتخابات الإسرائيلية. فكلما اقترب موعد الاقتراع، يصبح من الأصعب على نتنياهو قبول صيغة يمكن أن يقدمها خصومه باعتبارها تراجعًا أمام حماس أو ترامب.

وقد حذر ملادينوف من أن المماطلة والجدل حول التفاصيل قد يقودان إلى نتيجة عكسية، قائلًا إن البديل عن تنفيذ الخطة سيكون “إعادة تسليح حماس وزيادة خطر تكرار أحداث 7 أكتوبر”.

وفي الوقت نفسه، تنقل إسرائيل إلى الإدارة الأمريكية تقارير يومية تزعم إنها ترصد خروقات من جانب حماس، تشمل زرع عبوات ناسفة والتوغل عبر “الخط الأصفر” وإعادة بناء مواقع عسكرية، وبحسب صحيفة “يسرائيل هيوم”، رصد الجيش الإسرائيلي خلال 24 ساعة بين 8 و9 أغسطس ما لا يقل عن 14 حادثة اعتبرها خروقات، وصنف 11 منها تهديدات ناشئة لقواته.

وتمنح هذه التقارير نتنياهو ورقة إضافية لتبرير رفض الانسحاب، والقول إن الظروف الأمنية لم تنضج بعد لتطبيق خطة ترامب.

ورغم التصعيد العلني، لا يبدو أن نتنياهو يريد الوصول إلى قطيعة مع ترامب. فقد نقلت الصحافة الإسرائيلية أن نتنياهو تحدث هاتفيًا مع جاريد كوشنر، صهر ترامب ومستشاره، وأبدى استعداده لمنح خطة الـ15 بندًا فرصة، مع الالتزام بخفض الهجمات وعدم تقدم الجيش الإسرائيلي غرب "الخط الأصفر".

كما أكد ممثل الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايك والتز أن واشنطن وتل أبيب تعملان على حل الخلافات المتعلقة بالتوقيت وتسلسل الخطوات، مشيرًا إلى أن الجانبين "لديهما هدف مشترك"، ونقل موقع “أكسيوس” عن مسؤول أن إدارة ترامب لا تشعر بالقلق من رفض نتنياهو العلني للخطة، وترى أن جزءًا من هذا الموقف مرتبط بالحملة الانتخابية الإسرائيلية.

لكن مصادر دبلوماسية إسرائيلية، نقلت عنها صحيفة “يسرائيل هيوم”، حذرت من أن الخلاف قد يتحول إلى مواجهة سياسية مع إدارة ترامب إذا فشل الطرفان في التوصل إلى تفاهمات بشأن الانسحاب ونزع سلاح حماس.

وبذلك، تتحرك غزة بين مسارين متناقضين، مسار أمريكي يسعى إلى تحويل وقف إطلاق النار إلى اتفاق دائم، ومسار إسرائيلي تحكمه اعتبارات شخصية وانتخابية لنتنياهو. فكلما اقتربت الانتخابات، يصبح التشدد في غزة وسيلة لطمأنة اليمين الإسرائيلي، بينما يصبح أي انسحاب غير مشروط مخاطرة قد تهدد مستقبل نتنياهو السياسي.


print