تواجه صادرات الملابس والمنسوجات على مستوى العالم واحدة من أكثر مراحلها تعقيدا، بفعل اضطرابات سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف الشحن والتمويل والطاقة، وتصاعد المنافسة.
وفى هذه الشروط الصعبة، تواصل صادرات صناعة الملابس الجاهزة المصرية التحرك فى اتجاه مختلف، مدفوعة بزيادة الطلب على المنتج المصرى عالميا، وتحسن قدرته التنافسية، وارتفاع الطاقات الإنتاجية، إلى جانب توسع الاستثمارات المحلية واستهداف أسواق جديدة.
النصف الأول من 2026
ويكشف أداء القطاع خلال 2026 عن قدرة متزايدة على التعامل مع المتغيرات الخارجية، إذ ارتفعت صادرات الملابس الجاهزة المصرية خلال النصف الأول من العام إلى نحو 1.775 مليار دولار، بنمو 15% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضى، فى مؤشر يعكس استمرار القطاع فى تحقيق معدلات نمو قوية رغم الضغوط التى تواجه صناعة الملابس وتصديرها عالميا.
ويأتى هذا الأداء فى الوقت الذى يستهدف فيه المجلس التصديرى للملابس الجاهزة، الوصول بصادرات القطاع إلى نحو 4 مليارات دولار بنهاية 2026، مقابل 3.4 مليار دولار فى 2025، بما يمثل معدل نمو مستهدف يقارب 17.6%، فى خطوة تعكس الرهان على قدرة الصناعة المصرية على مواصلة التوسع خلال السنوات المقبلة.
اضطرابات تعيد رسم خريطة الصادرات
وتتحرك صناعة الملابس الجاهزة المصرية حاليا فى سوق عالمى شديد التنافسية، لا تحكمه فقط اعتبارات السعر، وإنما أصبحت القدرة على الالتزام بمواعيد التسليم، واستقرار سلاسل الإمداد، وجودة المنتجات، وسرعة الاستجابة لاحتياجات المشترين، عوامل حاسمة فى تحديد الدول القادرة على زيادة حصتها من الأسواق العالمية.
وتواجه مصانع الملابس الجاهزة تحديات مرتبطة باضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، إلى جانب ارتفاع تكاليف الشحن والتمويل والمنافسة القوية بين الدول المصدرة، وهى تحديات تضغط بصورة مباشرة على تكلفة المنتج وقدرته على المنافسة فى الأسواق الخارجية.
نمو الصادرات
لكن هذه الضغوط لم تمنع صادرات الملابس المصرية من مواصلة النمو، وهو ما يراه المهندس فاضل مرزوق، رئيس المجلس التصديرى للملابس الجاهزة، انعكاسا لتحسن القدرة التنافسية للصناعة المصرية، وزيادة الطلب على المنتج المحلى، فضلا عن دخول استثمارات جديدة والتوسع فى الاستثمارات القائمة.
ويؤكد «مرزوق» أن نمو الصادرات خلال الفترة الأخيرة لم يكن نتيجة ارتفاع الأسعار العالمية فقط، وإنما جاء بصورة أساسية نتيجة زيادة الكميات المصدرة وارتفاع الطلب على المنتج المصرى، ما يعطى مؤشرا أكثر أهمية على تطور القدرة الإنتاجية والتنافسية للقطاع.
وتعنى هذه التطورات أن النمو الحالى لا يرتبط بعامل مؤقت، وإنما يستند إلى توسع فعلى فى الإنتاج وزيادة قدرة الشركات المصرية على تلبية احتياجات الأسواق الخارجية.
أوروبا تقود نمو الصادرات المصرية
وتعد الأسواق الأوروبية من أبرز محركات النمو فى صادرات الملابس الجاهزة المصرية خلال الفترة الأخيرة، حيث ارتفعت الصادرات إليها بنسبة 25% لتصل إلى 767 مليون دولار، مستحوذة على نحو 43.2% من إجمالى صادرات القطاع.
وعلى مستوى أهم الأسواق الأوروبية، سجلت الصادرات المصرية إلى إسبانيا 147 مليون دولار بنمو 52%، بينما بلغت الصادرات إلى بريطانيا 73 مليون دولار بنمو 49%، وسجلت إيطاليا 48 مليون دولار بنمو 42%، فى حين وصلت الصادرات لألمانيا إلى 100 مليون دولار بنمو 22%.
ولا يقتصر التحسن على الأسواق الأوروبية، إذ حافظت الولايات المتحدة الأمريكية على موقعها كأكبر سوق للصادرات المصرية من الملابس الجاهزة، بقيمة بلغت 693 مليون دولار، بنمو 13%، لتستحوذ على نحو 39% من إجمالى صادرات القطاع خلال النصف الأول من العام.
ويرى رئيس المجلس التصديرى للملابس الجاهزة، أن اتفاقيات التجارة الحرة تمنح المنتج المصرى ميزة تنافسية مهمة من خلال الإعفاءات الجمركية وتسهيل النفاذ إلى الأسواق، وهو ما يفتح المجال أمام زيادة التعاقدات الجديدة وتعزيز حضور الشركات المصرية فى الأسواق التى تتمتع فيها مصر بميزات تجارية نسبية.
ومن أبرز المؤشرات التى تكشف طبيعة النمو الذى حققه القطاع أن الزيادة فى الصادرات جاءت بالأساس نتيجة ارتفاع الكميات المصدرة وزيادة الطلب على المنتج المصرى، وليس نتيجة ارتفاع الأسعار العالمية فقط.
وهنا تكمن أهمية التطور الذى تشهده صناعة الملابس الجاهزة، فارتفاع قيمة الصادرات نتيجة زيادة الكميات، يعنى أن الشركات المصرية أصبحت أكثر قدرة على الإنتاج وتلبية الطلب الخارجى، كما يشير إلى تحسن مستوى التنافسية أمام المنتجات القادمة من الدول المنافسة.
ويأتى ذلك بالتزامن مع توسع الاستثمارات المحلية وزيادة الطاقات الإنتاجية للمصانع، وهو ما انعكس على قدرة القطاع على التعامل مع الطلب المتزايد من الأسواق الرئيسية.
ويشير رئيس المجلس التصديرى إلى أن النمو يعكس أيضا تحسن القدرة التنافسية للقطاع ودخول استثمارات جديدة، بالتوازى مع التوسع فى الاستثمارات المحلية القائمة، وهو ما يوفر قاعدة إنتاجية يمكن البناء عليها خلال السنوات المقبلة.
محرك المرحلة المقبلة
وتراهن صناعة الملابس الجاهزة على الوصول إلى مستويات أعلى من الصادرات يتطلب زيادة الطاقة الإنتاجية، وتحسين التكنولوجيا المستخدمة، ورفع كفاءة المصانع، ويعمل القطاع على جذب استثمارات جديدة من دول تمتلك خبرات كبيرة فى صناعة الملابس والمنسوجات، من بينها تركيا والصين والهند وفيتنام، مع العمل على توفير بيئة استثمارية جاذبة والتوسع فى المناطق الصناعية المتخصصة.
ويستهدف هذا التوجه تحقيق معادلة مزدوجة تقوم على جذب استثمارات جديدة من الخارج، وفى الوقت نفسه تعميق الاستثمارات المحلية القائمة، بما يؤدى إلى زيادة الطاقة الإنتاجية وتوفير فرص عمل جديدة ورفع حجم الصادرات.
ويؤكد «مرزوق» أن زيادة الاستثمارات تمثل عنصرا أساسيا فى خطة القطاع، خاصة أن صناعة الملابس الجاهزة من الصناعات كثيفة العمالة، وبالتالى فإن التوسع فيها لا ينعكس فقط على الصادرات، وإنما يمتد تأثيره إلى التشغيل والتنمية الصناعية.
ويقدر المجلس مساهمة القطاع فى توفير نحو 2.5 مليون فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، مع توقعات بزيادة هذا العدد بالتزامن مع التوسع فى الاستثمارات والصادرات.
ويرى «مرزوق» فى تحديث مع «اليوم السابع» أن زيادة الاعتماد على الخامات ومستلزمات الإنتاج المحلية تمثل أحد المسارات المهمة لتعميق الصناعة، خاصة من خلال استكمال حلقات الإنتاج داخل مصر، بدءا من الغزل والنسيج والصباغة والتجهيز، وصولا إلى المنتج النهائى.
وأكد رئيس المجلس التصديرى للملابس الجاهزة، أن التوترات التجارية، رغم تأثيرها على حركة التجارة العالمية، يمكن أن تفتح فرصا أمام مصر لجذب استثمارات جديدة وزيادة حصتها فى الأسواق الدولية، مستفيدة من اتفاقيات التجارة والموقع الجغرافى المتميز.
وخلال السنوات الأخيرة، نجحت مصر فى جذب استثمارات من عدة دول، وعلى رأسها الصين وتركيا، بما يدعم قدرة قطاع الملابس والمنسوجات على الاستفادة من التحولات التى تشهدها خريطة التجارة العالمية.
ويؤكد مرزوق أن الوصول إلى مستويات قياسية من الصادرات يتطلب الاستمرار فى جذب الاستثمارات وتعميق الصناعة المحلية، مع تحديث المصانع ورفع الطاقة الإنتاجية وتحسين تنافسية المنتج المصرى، إلى جانب فتح أسواق جديدة أمام الشركات.
خطة القطاع حتى 2030
وتكشف المستهدفات التى وضعها المجلس التصديرى للملابس الجاهزة عن طموح كبير لنقل قطاع الملابس الجاهزة إلى مستويات جديدة خلال السنوات المقبلة.
وبحسب خطة النمو التدريجية التى يستهدفها المجلس التصديرى للملابس الجاهزة، يستهدف القطاع الوصول إلى 4 مليارات دولار فى 2026، و4.7 مليار دولار فى 2027، و5.5 مليار دولار فى 2028، و6.5 مليار دولار فى 2029، ونحو 7.62 مليار دولار فى 2030.
ويقوم تحقيق هذه المستهدفات على مجموعة من المحاور، فى مقدمتها جذب استثمارات جديدة، وزيادة الطاقة الإنتاجية، وتعميق الصناعة المحلية، ورفع تنافسية المنتج المصرى، والتوسع فى الأسواق الخارجية، وتحسين بيئة الأعمال، وفق رئيس المجلس فاضل مرزوق.
ويستهدف المجلس من خلال هذه الخطة تحقيق متوسط نمو سنوى يتراوح بين 17% و18%، بما يضع الملابس الجاهزة ضمن القطاعات القادرة على قيادة نمو الصادرات الصناعية المصرية خلال السنوات المقبلة.
قاعدة صناعية متكاملة
ولا يبدو أن مستقبل صناعة الملابس الجاهزة فى مصر سيتحدد فقط بقدرتها على زيادة أرقام الصادرات، وإنما بقدرتها على بناء صناعة متكاملة قادرة على المنافسة فى الأسواق العالمية من حيث السعر والجودة والسرعة ولكن أيضا تكامل الصناعة وتعميق الإنتاج والتوسع فى الصناعات التكميلية.
فالأرقام الحالية تشير إلى أن القطاع يمتلك قاعدة قوية يمكن البناء عليها؛ صادرات بلغت 1.775 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026 بنمو 15%، وسوق أمريكية تستحوذ على نحو 39% من صادرات القطاع، وأسواق أوروبية تحقق معدلات نمو قوية، واستثمارات جديدة تتدفق إلى الصناعة، إلى جانب قاعدة عمالية ضخمة تصل إلى نحو 2.5 مليون فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.
كما أن استهداف الوصول إلى 4 مليارات دولار بنهاية 2026 يضع القطاع أمام اختبار مهم خلال الفترة المتبقية من العام، خاصة أن تحقيق هذا الرقم يتطلب استمرار معدلات النمو المرتفعة وعدم الاكتفاء بالنتائج التى تحققت خلال النصف الأول.
ويرى المهندس فاضل مرزوق أن المرحلة المقبلة تتطلب البناء على ما تحقق من خلال مواصلة جذب الاستثمارات، والتوسع فى الطاقات الإنتاجية، وتعميق الصناعة المحلية، ورفع تنافسية المنتج، وفتح أسواق جديدة، مع تحسين بيئة الأعمال وتطوير البنية اللوجستية وتأهيل العمالة.
وبذلك تتحول صناعة الملابس الجاهزة من مجرد قطاع يحقق نموا فى أرقام الصادرات إلى أحد محركات التصنيع والتشغيل وجذب الاستثمارات فى مصر، خصوصا مع امتلاكها فرصا للتوسع فى الأسواق الأوروبية والأمريكية، وإمكانية فتح أسواق جديدة فى أفريقيا وآسيا، والاستفادة من التحولات التى تشهدها خريطة التجارة العالمية.
وفى ظل هذه المعطيات، فإن التحدى الحقيقى أمام القطاع لم يعد إثبات قدرته على النمو، بعدما أظهرت نتائج 2026 أنه قادر على تحقيق ذلك رغم الضغوط، وإنما يتمثل التحدى فى تحويل هذا النمو إلى توسع مستدام فى الطاقة الإنتاجية والاستثمارات والقيمة المضافة، وصولا إلى صناعة مصرية أكثر تكاملا وقدرة على المنافسة عالميا والعمل على التوسع فى الاقتصاد الدائرى واعتماد تكنولوجيا حديثة فى عمليات الإنتاج.