شهدت الساحة الدولية خلال الأشهر الأخيرة تصاعدا في الإجراءات المرتبطة بملاحقة شبكات جماعة الإخوان الإرهابية ومصادر تمويلها، بالتزامن مع تحركات أمريكية وأوروبية تستهدف ما تصفه واشنطن بشبكات عابرة للحدود، ويأتي هذا التحرك في وقت وسعت فيه الولايات المتحدة نطاق العقوبات المفروضة على فروع وشخصيات مرتبطة بجماعة الإخوان. ففي يناير 2026، صنفت واشنطن الفروع المصرية والأردنية واللبنانية كمنظمات إرهابية.
وفي يوليو الماضي، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية إجراءات جديدة ضد مسؤول بارز في جماعة الإخوان المصرية، إلى جانب أفراد وكيانات قالت إنهم قدموا دعما ماديا لحماس، مشيرة إلى استخدام واجهات خيرية وشبكات مالية غير رسمية لتحويل الأموال عبر الحدود وإخفاء مساراتها.
وتعكس هذه الإجراءات انتقال التركيز من ملاحقة التنظيمات والأفراد فقط إلى استهداف البنية المالية التي تسمح للشبكات المرتبطة بها بالعمل عبر أكثر من دولة، سواء من خلال المؤسسات التجارية أو الكيانات الخيرية أو الوسطاء الماليين.
وفي أمريكا الجنوبية، تكتسب هذه القضية أهمية إضافية بسبب وجود بيئات مالية وتجارية عابرة للحدود، خاصة في المناطق التي تربط أكثر من دولة، والتي لطالما كانت محل اهتمام أجهزة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
ويأتي ذلك بالتزامن مع تنامي التعاون الدولي في تبادل المعلومات المالية والاستخباراتية، إذ تعتمد الولايات المتحدة وشركاؤها على العقوبات وتجميد الأصول وملاحقة الوسطاء الماليين للضغط على الشبكات التي تعتبرها داعمة للتنظيمات الإرهابية.
وكانت واشنطن قد أعلنت في مارس 2026 تصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية منظمة إرهابية، متهمة إياها باستخدام العنف وتقويض جهود إنهاء الصراع في السودان، في خطوة تعكس اتساع نطاق السياسة الأمريكية تجاه فروع الجماعة.
ولا يعني ذلك أن جميع الأنشطة الإسلامية أو الجمعيات ذات الطابع الديني في أمريكا الجنوبية تقع تلقائيا تحت طائلة الاتهام أو العقوبات؛ إذ تركز الإجراءات الرسمية على كيانات وأفراد محددين تثبت صلاتهم، وفقا للجهات التي تفرض العقوبات، بأنشطة تمويل الإرهاب أو تقديم الدعم المادي لتنظيمات مصنفة إرهابية.
ويشير هذا المسار إلى تحول تدريجي في مقاربة مكافحة الإرهاب، من التركيز على العمليات المباشرة إلى تفكيك شبكات التمويل والتجنيد والدعم اللوجستي، خاصة مع قدرة التنظيمات الحديثة على العمل من خلال هياكل متعددة لا تحمل بالضرورة اسما واحدا أو شكلا تنظيميا واضحا.
وبذلك، أصبحت شبكات التمويل العابرة للحدود واحدة من أبرز ساحات المواجهة بين الحكومات والأجهزة الأمنية من جهة، والتنظيمات والكيانات التي تسعى إلى الحفاظ على قنوات نفوذها خارج مناطق نشاطها التقليدية من جهة أخرى.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الضغوط الأمريكية لن تتوقف عند حدود الشرق الأوسط، مع توجه واشنطن إلى تتبع امتدادات مالية وتنظيمية دولية، في محاولة لتقليص قدرة الشبكات المستهدفة على استخدام النظام المالي العالمي في نقل الأموال أو إعادة توظيفها.
وقال إبراهيم ربيع، الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، إن التحركات الدولية المتزايدة تجاه جماعة الإخوان تكشف انتقال المواجهة من التعامل مع الخطاب السياسي والدعوي للجماعة إلى تفكيك شبكاتها المالية والتنظيمية العابرة للحدود.
وأوضح ربيع أن الجماعة تاريخيا اعتمدت على التغلغل داخل المجتمعات من خلال واجهات متعددة، بينها النشاط الدعوي والخيري والتجاري، بما يسمح لها ببناء شبكات نفوذ بعيدا عن الرقابة المباشرة، وهو ما يجعل تتبع مصادر التمويل أحد أهم مفاتيح مواجهة التنظيم. وتحدث ربيع في تصريحات سابقة عن اعتماد الجماعة على شبكات مالية معقدة ومنظمات تستخدم كأدوات للقوة الناعمة.
وأشار الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة إلى أن التحركات الدولية ضد الإخوان تمثل تطورا مهما في طبيعة المواجهة، خاصة مع اتجاه دول غربية إلى تشديد الرقابة على الأموال والتحويلات والكيانات التي يشتبه في ارتباطها بشبكات التنظيم.
وأضاف أن اتساع نطاق الملاحقة الدولية يضع الجماعة أمام اختبار صعب، إذ إن استمرار نشاطها خارج الحدود يرتبط بدرجة كبيرة بقدرتها على الحفاظ على مصادر التمويل وشبكات العلاقات التي بنتها على مدار سنوات.
وأكد ربيع أن المواجهة الفعالة لا يجب أن تقتصر على ملاحقة الأفراد، وإنما تمتد إلى البنية التي توفر للتنظيم القدرة على الاستمرار، وفي مقدمتها التمويل والواجهات التنظيمية والإعلامية وشبكات التأثير.
ولفت إلى أن الجماعة تستخدم ما وصفه بأدوات "القوة الناعمة"، عبر توظيف منصات إعلامية ومنظمات وكيانات ذات طابع حقوقي أو مدني لتقديم روايات تخدم أهدافها السياسية، وهو ما سبق أن حذر منه في تصريحات إعلامية.
ورأى ربيع أن زيادة التنسيق بين أجهزة مكافحة الإرهاب والجهات المعنية بالجرائم المالية تمثل عاملا حاسما في كشف حركة الأموال، خصوصا أن الشبكات العابرة للحدود تستطيع الاستفادة من اختلاف القوانين والأنظمة الرقابية بين الدول.
وشدد على أن تجفيف منابع التمويل يظل أحد أكثر الأدوات تأثيرا في إضعاف التنظيم، مؤكدا أن تقليص قدرته على الوصول إلى الموارد المالية سيحد من نشاطه الإعلامي والتنظيمي ويصعب عليه إعادة بناء شبكاته في مناطق جديدة.
وتأتي هذه الرؤية بالتزامن مع تحركات دولية متزايدة تجاه شبكات مرتبطة بالإخوان، في وقت تشهد فيه دول أمريكا الجنوبية اهتماما أكبر بمراقبة التدفقات المالية والكيانات التي قد تستخدم كواجهات لأنشطة عابرة للحدود.
وبحسب ربيع، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقالا أكبر من المواجهة الأمنية التقليدية إلى مواجهة شاملة تستهدف مصادر النفوذ والتمويل، وهو ما قد يفرض على التنظيم إعادة حساباته بشأن قدرته على التحرك والانتشار خارج مراكزه التقليدية.