الإثنين، 03 أغسطس 2026 04:42 م

وقود المستقبل يُصنع في مصر.. وثيقة التنمية ترسم ملامح اقتصاد أخضر يعتمد على الهيدروجين والطاقة المتجددة والصناعة النظيفة ليصبح أحد أبرز محركات النمو حتى 2030..40 مشروعا واتفاقيات بمليارات الدولارات

وقود المستقبل يُصنع في مصر.. وثيقة التنمية ترسم ملامح اقتصاد أخضر يعتمد على الهيدروجين والطاقة المتجددة والصناعة النظيفة ليصبح أحد أبرز محركات النمو حتى 2030..40 مشروعا واتفاقيات بمليارات الدولارات الهيدروجين الأخضر
الإثنين، 03 أغسطس 2026 03:00 م
كتبت - نورا فخري

** الحكومة: 300 ألف فرصة عمل مستهدفة من مشروعات الهيدروجين الأخضر.. وإنتاج يتجاوز 1.5 مليون طن سنويا بحلول 2030

** خطة التنمية: 40 مشروعا للهيدروجين الأخضر واتفاقيات بمليارات الدولارات لدعم تحول مصر إلى مركز إقليمي للطاقة المتجددة


**الحكومة : برنامج الصناعات الخضراء يوفر تمويلات تصل إلى 271 مليون يورو لدعم التحول الصناعي وخفض الانبعاثات

 
 
قبل سنوات، كانت الصحراء المصرية تُقرأ باعتبارها امتدادا جغرافيا شاسعا، أما اليوم، فتُقرأ بالأرقام والاستثمارات ومزارع الطاقة الشمسية وتوربينات الرياح، التي تتحول تدريجيا إلى مصانع للهيدروجين الأخضر والأمونيا النظيفة، وإلى بوابة جديدة تعيد رسم موقع مصر على خريطة الطاقة العالمية.
 
 
فالتحول الجاري لا يقتصر على إنتاج كهرباء نظيفة، بل يمتد إلى بناء صناعة متكاملة تستهدف أسواق التصدير، وتخلق مئات الآلاف من فرص العمل، وتجذب استثمارات بمليارات الدولارات، في وقت يتجه فيه العالم إلى التخلص من الوقود التقليدي والبحث عن بدائل منخفضة الانبعاثات.
 
وفي هذا السياق، ترسم وثيقة خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، المقدمة من وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية الدكتور أحمد رستم، ووافق عليها البرلمان بغرفتيه ( مجلسي النواب، الشيوخ) ملامح هذا التحول، عبر التوسع في مشروعات الهيدروجين الأخضر، وإطلاق برنامج الصناعات الخضراء المستدامة، باعتبارهما أحد أهم محركات النمو الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.
 
الهيدروجين الأخضر.. من مشروع طاقة إلى صناعة تصديرية وتضع الوثيقة الهيدروجين الأخضر في صدارة الصناعات التي تراهن عليها الدولة خلال السنوات المقبلة، ليس باعتباره مصدرا للطاقة فحسب، وإنما كصناعة قادرة على تحقيق قيمة مضافة، وزيادة الصادرات، وتعزيز تنافسية الاقتصاد المصري في سوق عالمي يتسارع نحو الطاقة النظيفة.
 
 
وتستهدف الدولة إنتاج نحو 13 ألف طن سنويا من الهيدروجين الأخضر، يتم تحويلها إلى قرابة 70 ألف طن من الأمونيا الخضراء المنتجة بالطاقة المتجددة وتصديرها إلى الأسواق الخارجية، بما يدعم جهود خفض الانبعاثات الكربونية، ويعزز مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة المتجددة في الشرق الأوسط وأفريقيا.
 
 
ولا تقف المكاسب عند حدود التصدير، إذ تشير التقديرات إلى أن مشروعات الهيدروجين الأخضر ستوفر نحو 300 ألف فرصة عمل، منها 50 ألف فرصة مباشرة و250 ألف فرصة غير مباشرة، فيما تستهدف الدولة رفع الإنتاج إلى أكثر من 1.5 مليون طن سنويًا بحلول عام 2030، في خطوة تعكس طموحها للتحول إلى أحد اللاعبين الرئيسيين في السوق العالمية.
 
 
قناة السويس.. حيث تُبنى خريطة الطاقة الجديدة
 
ولم يكن اختيار المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كمركز رئيسي لهذه المشروعات أمرا عشوائيا، فالموقع الجغرافي، والموانئ المطلة على خطوط التجارة العالمية، والبنية التحتية الجاري تطويرها، كلها عوامل تجعل المنطقة منصة مثالية لإنتاج وتصدير الوقود الأخضر.
 
وتوضح الوثيقة أن مصر تضم حاليًا نحو 40 مشروعا للهيدروجين والأمونيا الخضراء، تتركز غالبيتها داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، حيث تم توقيع نحو 30 مذكرة تفاهم، دخلت 14 منها حيز التنفيذ، إلى جانب 11 اتفاقية إطارية، بإنتاج سنوي متوقع يصل إلى 18 مليون طن عند اكتمال جميع المشروعات.
 
 
استثمارات تبدأ بالطاقة ولا تنتهي عندها
 
ولأن إنتاج الهيدروجين الأخضر يعتمد على كهرباء نظيفة، فقد ارتبطت هذه المشروعات بخطة متكاملة للتوسع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، عبر إنشاء محطات توليد الكهرباء، ووحدات التحليل الكهربائي للمياه، ومصانع إنتاج الأمونيا الخضراء، إلى جانب تطوير شبكات الكهرباء والمياه والبنية اللوجستية والموانئ المخصصة للتصدير.
 
وفي هذا الإطار، شهد عام 2024 توقيع مشروع إنتاج الهيدروجين الأخضر بقدرة 100 ميجاوات في ميناء السخنة، بالشراكة بين صندوق مصر السيادي، وأوراسكوم للإنشاءات، وسكاتك النرويجية، وفيرتيجلوب، مع إنشاء محطتي طاقة شمسية ورياح بقدرة إجمالية 540 ميجاوات لتغذية عمليات الإنتاج.
 
كما تم إنشاء شراكات لتطوير المعرفة والتكنولوجيا، عبر اتفاقية إنشاء مركز دولي للهيدروجين الأخضر، فضلًا عن تخصيص نحو 41.7 ألف كيلومتر مربع لصالح هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة، مع استكمال إجراءات تخصيص 900 كيلومتر مربع إضافية لدعم مشروعات الطاقة المتجددة.
 
مليارات الدولارات تراهن على السوق المصرية
 
ويكشف حجم الاتفاقيات الموقعة خلال العامين الماضيين عن الثقة المتزايدة في السوق المصرية، إذ وقعت الدولة اتفاقية مع شركة "رينيو باور" الهندية لإنشاء مصنع للهيدروجين الأخضر في السخنة باستثمارات تبلغ 8 مليارات دولار، بطاقة إنتاجية تصل إلى 220 ألف طن سنويا.
 
كما شهد عام 2025 توقيع أربع اتفاقيات كبرى لإنتاج الأمونيا الخضراء باستثمارات تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات، مع شركات وتحالفات دولية من ألمانيا والهند وفرنسا والإمارات وبريطانيا، إلى جانب اتفاق مصري فرنسي لإنشاء محطة لإنتاج الهيدروجين الأخضر ومشتقاته باستثمارات تبلغ 7 مليارات يورو.
 
وتواصل الدولة دعم البنية الأساسية للمشروعات، حيث افتتحت في 2026 المرحلة الأولى من مشروع "أوبيليسك" للطاقة الشمسية، مع الاستعداد لتشغيل المرحلة الثانية، إلى جانب توقيع اتفاق لإنشاء محطة "إنرجي فالي" العملاقة بمحافظة المنيا باستثمارات تصل إلى 1.8 مليار دولار.
 
ومن الطاقة إلى الصناعة.. التحول الأكبر
 
لكن إنتاج الطاقة النظيفة ليس سوى بداية الطريق، فالرؤية الحكومية تستهدف توظيفها في إعادة هيكلة القطاع الصناعي بالكامل، وهو ما يجسده برنامج الصناعات الخضراء المستدامة (GSI)، الذي يمثل أحد أكبر برامج دعم الصناعة منخفضة الانبعاثات في مصر.
 
ويستهدف البرنامج تنفيذ تحول نوعي داخل القطاع الصناعي، بدعم تمويلي يصل إلى 271 مليون يورو، لتمويل مشروعات إزالة التلوث، وخفض الانبعاثات الكربونية، والتوسع في استخدام الطاقة المتجددة، ورفع كفاءة استهلاك الموارد، وتعزيز الاقتصاد الدائري من خلال إعادة التدوير وإنتاج الوقود البديل.
 
حوافز تمويلية لتعزيز التنافسية
 
ولتحفيز القطاع الخاص، يوفر البرنامج تمويلا ميسرا يصل إلى 25 مليون يورو للمشروع الواحد، مع فترة سماح تمتد لعامين، وسداد من خمس إلى ثماني سنوات، إضافة إلى دعم فني لإعداد الدراسات الفنية والاقتصادية، ومنح تحفيزية تصل إلى 20% من تكلفة المشروع عند تحقيق المستهدفات البيئية.
 
ويستفيد من البرنامج عشرة قطاعات صناعية رئيسية، من بينها الأسمنت والأسمدة والحديد والصلب والألومنيوم والصناعات الثقيلة والكيماويات، بما يرفع قدرتها على المنافسة في الأسواق الدولية ويزيد من فرص النفاذ إلى الأسواق التي تفرض اشتراطات بيئية متقدمة.
 
الاقتصاد الأخضر.. رهان يتجاوز البيئة
في النهاية، تكشف وثيقة خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية أن التحول الأخضر لم يعد يقتصر على حماية البيئة أو خفض الانبعاثات، بل أصبح خيارًا اقتصاديًا واستثماريًا يستهدف بناء صناعات جديدة، وتعزيز الصادرات، وجذب رؤوس الأموال، وتوفير فرص العمل، مع رفع نسبة الاستثمارات العامة الخضراء إلى 70% بحلول عام 2030.
 
وبين شمس الصحراء التي تولد الكهرباء، وموانئ البحر الأحمر والمتوسط التي تستعد لاستقبال صادرات الوقود الأخضر، ترسم مصر ملامح مرحلة جديدة، تراهن فيها على أن يكون الاقتصاد الأخضر أحد أهم محركات النمو، وأن تتحول مواردها الطبيعية إلى ميزة تنافسية تضعها في قلب خريطة الطاقة والصناعة العالمية.
 
 

الأكثر قراءة



print