محكمة - أرشيفية
أودعت محكمة جنايات دمنهور، برئاسة المستشار الدكتور سامح عبدالله رئيس المحكمة، أسباب حكمها فى قضية الاعتداء على طفلة الدلنجات البالغ عمرها 5 سنوات، محذرة من تحول مثل هذه الجرائم إلى "ظاهرة" تهدد تماسك المجتمع.
صدر الحكم في قضية النيابة العامة رقم 23410 لسنة 2025 والمقيدة برقم 1562 كلى جنوب، لصالح المحامى المدعى بالحق المدنى جابر أغا، برئاسة المستشار سامح عبدالله، وعضوية المستشارين أحمد محمد محمد، ومصطفى محمد مصطفى، وبحضور كل من وكيل النيابة كريم العسال، وأمانة سر خالد سيد.

الوقائع.. سائق "توكتوك" يعتدى على طفلة 5 سنوات
هيئة المحكمة وجهت 3 رسائل جوهرية اعتبرتها "إرضاءً لضميرها" وتقديراً لرسالتها السامية: حيث شددت المحكمة على أن الجرم فظيع، وعلى المجتمع أن يستشعر خطورته، وإلا تحول إلى ظاهرة غريبة عن هويتنا، طالبت المحكمة المجتمع بضرورة استعادة "ذاكرة الأخلاق والفضائل" التى كانت تشكل الركيزة الأساسية للهوية المصرية.
ووفقا لـ"المحكمة": إنها توقفت المحكمة طويلاً عند الأثر النفسى المدمر الذى خلفته الجريمة فى الطفلة، ووصفتها بأنها "قتلت أهم دعائم الإنسان من ثقة وأمان"، مؤكدة أن المتهم لم يخن الثقة فحسب، بل تنكر لكل ما هو بريء فى هذا الكون، مؤكدة أن الطفلة المجنى عليها تعرضت لتجربة قاسية ستترك "جرحاً غائراً" لا يعلم إلا الله متى تتعافى منه.
المحكمة توجه رسائل شديدة اللهجة
وربطت المحكمة بين القدرة على نشأة الطفل نشأة حسنة وبين القدرة على بناء مستقبل الوطن، مؤكدة أن حماية الطفولة هى حماية للغد، مؤكدة فى أسباب حكمها أن الأدلة تساندت وتضافرت لتدين المتهم بشكل قاطع، حيث استندت إلى: الدليل القولى، متمثلاً فى شهادة الشهود التى أكدت تفاصيل الواقعة، الدليل الفنى تقرير الطب الشرعى الذى أثبت حدوث الاعتداء بالاضافة إلى البصمة الوراثية، حيث حسم تقرير المعامل الطبية بشأن تحليل الـ DNA القضية، بعدما تطابقت الآثار الموجودة على ملابس الطفلة مع البصمة الوراثية الخاصة بالمتهم.
واختتمت المحكمة حيثياتها بعبارات مؤثرة، مؤكدة أنها تنأى بالمجتمع أن يسقط فى فخ الاعتياد على مثل هذه الجرائم، وحضّت الجميع على التكاتف لحماية البراءة التى تم استباحتها بدم بارد، مشيرة إلى أن الجريمة تمثل صدمة نفسية لكيان طفلة كل جريمتها أنها "اطمأنت" لمن كان يجب أن يكون أميناً عليها.
الفلسفة القانونية للمحكمة (التسبيب)
وفى هذا الشأن – يقول المحامى المدعى بالحق المدنى – أن حيثيات الحكم صدرت في 16 صفحة، وجاء منطوق الحكم كنتيجة نهائية، فقد حكمت المحكمة حضورياً على المتهم بالسجن المؤبد عما أسند إليه من اتهامات، لأن الخطف المقترن بهتك العرض، وإلزامه بالمصاريف الجنائية، وفي الدعوى المدنية: إلزامه بأن يؤدي للمدعي بالحق المدني تعويضاً مدنياً مؤقتاً قدره مليون وواحد جنيه، مع إلزامه بالمصاريف وأتعاب المحاماة.
وبحسب "أغا" في تصريح لـ"برلماني": استخدمت المحكمة عبارات تعكس "يقين القاضي الجنائي" وتفننت في تأصيل قواعد الإثبات بالتالى:
1-عقيدة المحكمة: أكدت المحكمة أن "اليقين القضائي" ليس يقيناً فلسفياً، بل هو حالة ذهنية تقوم على "الاقتناع" المستمد من الأدلة الوضعية التي طرحت أمامها.
2-تجزئة الأقوال: استخدمت المحكمة حقها القانوني في "تجزئة الشهادة"، فأخذت من أقوال الشهود ما اطمأنت إليه وطرحت ما سواه، دون أن يكون ذلك تناقضاً.
3-الارتباط البسيط: طبقت المحكمة المادة 32/2 من قانون العقوبات، حيث اعتبرت الجريمتين (الخطف وهتك العرض) مرتبطان ببعضهما ارتباطاً لا يقبل التجزئة، فحقّت عليه عقوبة الجريمة الأشد (الخطف المقترن بهتك عرض طفلة).

الجانب الإنساني والاجتماعي في الحكم
ووفقا لـ"أغا": الصفحة رقم (15) من الحكم لافتة جداً، حيث خرجت المحكمة عن السرد القانوني الجاف لتخاطب المجتمع:
1-وصف الجريمة: وصفت المحكمة فعلة المتهم بأنها "نكراء" قتلت دعائم الثقة والأمان، وأنها اغتيال لبراءة طفلة لم تتجاوز الخمس سنوات.
2-رسالة للمجتمع: وجهت المحكمة رسالة قوية بضرورة الانتباه للخطورة النفسية التي قد تترسخ في كيان الطفلة، وأكدت أن هذا الحكم هو "إرضاء لضميرها" وتقديراً لعظم الرسالة التي تقوم بها.
التعويض المدني (المليون جنيه)
ويضيف المحامى المدعى بالحق المدنى: من النادر في أحكام الجنايات أن يقضي القاضي بتعويض مدني مؤقت بهذا المبلغ (مليون وواحد جنيه)، وهذا يشير إلى:
1-جسامة الضرر: المحكمة قدرت حجم الألم النفسي والمادي الذي أصاب الطفلة وأسرتها.
2-تسهيل التعويض النهائي: هذا الرقم يمهد الطريق أمام أسرة المجني عليها لرفع دعوى تعويض تكميلية أمام المحكمة المدنية بمبالغ كبيرة، مستندين إلى هذا الحكم الجنائي البات.

نقاط القوة في الحكم (من منظور الدفاع والادعاء)
الدليل الفني: تطابق البصمة الوراثية (DNA) كان هو "القول الفصل" الذي جعل أي دفع بإنكار المتهم أو كيدية الاتهام ينهار أمام المحكمة.
استعمال الرأفة (المادة 17): رغم أن المادة 290 عقوبات تجيز الإعدام في هذه الحالة، إلا أن المحكمة استخدمت المادة 17 لتبديل العقوبة إلى المؤبد، وهو تقدير موضوعي للمحكمة بناءً على ظروف الواقعة وملابساتها.

المحامى المدعى بالحق المدنى جابر أغا
الخلاصة:
هذا الحكم "نموذجي" في كيفية صياغة الحيثيات، حيث ربط بين الدليل المادي (DNA)، والدليل القولي (الشهود)، والدليل الفني (الطب الشرعي)، ثم ختمها بمرئيات اجتماعية تجعل من الحكم وسيلة لردع المجتمع وحماية الطفولة.
الجدير بالذكر أن محكمة جنايات دمنهور عاقبت "سائق توك" بالسجن المؤبد على خلفية قيامه بالتحرش والتعدى على صغيرة تبلغ من العمر خمس سنوات، بأرض زراعية، وذلك أثناء توصيلها إلى منزلها.














