الثلاثاء، 23 يونيو 2026 11:45 م

"نزيف الواردات" يدفع توطين صناعة السيارات إلى المسار السريع.. فاتورة استيراد قطع الغيار تقفز إلى 816.3 مليون دولار خلال 2025 بزيادة 24%.. الدولة تكثف جهود تعميق المكون المحلى.. والصين وألمانيا أبرز الموردين

"نزيف الواردات" يدفع توطين صناعة السيارات إلى المسار السريع.. فاتورة استيراد قطع الغيار تقفز إلى 816.3 مليون دولار خلال 2025 بزيادة 24%.. الدولة تكثف جهود تعميق المكون المحلى.. والصين وألمانيا أبرز الموردين فاتورة واردات السيارات - أرشيفية
الثلاثاء، 23 يونيو 2026 09:00 م
كتبت- هبة حسام

لم تعد صناعة السيارات مجرد قطاع إنتاجي تسعى الدولة إلى تطويره، بل تحولت إلى ضرورة اقتصادية تفرضها الأرقام المتصاعدة لفاتورة الاستيراد، فبحسب أحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، قفزت واردات مصر من قطع غيار السيارات إلى 816.350 مليون دولار خلال عام 2025، مقابل 657.3 مليون دولار خلال عام 2024، بزيادة بلغت 159.05 مليون دولار، وبمعدل نمو يناهز 24.2%.

 

هذه الأرقام، كشفت حجم الاعتماد على الخارج في توفير المكونات الأساسية للصناعة وسوق خدمات ما بعد البيع، خاصة في ظل التوسع المستمر في أعداد السيارات العاملة داخل السوق المصرية، كما تأتي هذه الزيادة ضمن فاتورة أكبر تشمل واردات السيارات وأجزائها ومكوناتها، والتي تجاوزت 5 مليارات دولار خلال عام 2025، ما يجعل هذا القطاع أحد أكبر مستهلكى النقد الأجنبى فى الاقتصاد المصرى.

 

وبحسب بيانات التجارة الخارجية، تستورد مصر احتياجاتها من قطع غيار السيارات من عدد من المراكز الصناعية الكبرى حول العالم، تتصدرها الصين وتركيا وألمانيا وكوريا الجنوبية واليابان والهند، وهي دول تمتلك سلاسل إمداد متكاملة وخبرات طويلة في تصنيع مكونات السيارات والصناعات المغذية لها، حيث يعكس هذا التنوع في مصادر الاستيراد اتساع احتياجات السوق المحلية من المكونات الميكانيكية والكهربائية والإلكترونية وأجزاء الهيكل والصاج، لكنه يكشف في الوقت نفسه حجم الفرصة المتاحة أمام الصناعة المحلية لإحلال جزء من هذه الواردات بمنتجات مصرية الصنع.

 

ولا يقتصر أثر استيراد قطع الغيار على استنزاف النقد الأجنبي فحسب، بل يمتد إلى زيادة تأثر السوق المحلية بالتقلبات العالمية في أسعار الشحن وسلاسل الإمداد وأسعار الصرف، وهو ما ظهر بوضوح خلال السنوات الأخيرة مع اضطرابات التجارة الدولية وارتفاع تكاليف النقل، لذلك أصبح توطين إنتاج المكونات الرئيسية للسيارات أحد الأهداف الاستراتيجية للدولة لتعزيز مرونة الاقتصاد وتقليل الاعتماد على الخارج.

 

أمام هذه الأرقام، برزت قناعة متزايدة بأن خفض فاتورة الاستيراد لن يتحقق من خلال تجميع السيارات فقط، وإنما عبر تصنيع المكونات وقطع الغيار محلياً، ومن هنا جاءت الاستراتيجية الوطنية لتنمية صناعة السيارات، التي تستهدف رفع نسبة المكون المحلي وتعميق الصناعات المغذية وجذب استثمارات جديدة لإنتاج الأجزاء التي تستوردها مصر بكميات كبيرة سنويًا.

 

وتسعى الحكومة من خلال برنامج الحوافز الخاص بصناعة السيارات إلى تشجيع الشركات على زيادة المكون المحلي تدريجيًا، وربط الحوافز الإنتاجية بمعدلات التصنيع الفعلي داخل مصر، بما يضمن نقل التكنولوجيا وتوطين سلاسل الإمداد بدلاً من الاكتفاء بعمليات التجميع، كما تستهدف هذه الحوافز جذب الشركات العالمية لتصنيع مكونات السيارات داخل السوق المصرية والاستفادة من الموقع الجغرافي لمصر واتفاقيات التجارة الحرة التي تربطها بالعديد من الأسواق الإقليمية والدولية.

ومنذ عام 2022، وقت إطلاق استراتيجية توطين صناعة السيارات وتعميق التصنيع المحلى، اتجهت الدولة إلى العمل على توطين صناعات أساسية تدخل في إنتاج السيارات، من بينها صناعة الصاج المخصص للسيارات والمكونات المعدنية والأنظمة الكهربائية، إلى جانب التوسع في الصناعات المغذية المرتبطة بالبطاريات والكابلات والضفائر الكهربائية ومكونات أنظمة التعليق والفرامل، في إطار خطة تستهدف بناء قاعدة صناعية متكاملة قادرة على تلبية احتياجات السوق المحلية والتوسع لاحقاً في التصدير.

 

وتعزز هذه الجهود الاستثمارات الجديدة التي أعلنتها شركات عاملة في قطاع مكونات السيارات، والتي تستهدف زيادة الطاقة الإنتاجية للمصانع المحلية ورفع نسبة المكون المحلي في المركبات المنتجة داخل مصر، حيث يؤكد خبراء الصناعة أن نجاح خطة التوطين يقاس بقدرة المصانع المصرية على إنتاج الأجزاء الأعلى استيرادًا والأكثر قيمة، وليس فقط بزيادة أعداد السيارات المجمعة محليًا.

ويرى المتخصصون أن كل نقطة مئوية إضافية في نسبة المكون المحلى تعني توفير ملايين الدولارات التي تنفق سنويًا على استيراد الأجزاء والمكونات، وهو ما يمنح خطط توطين صناعة السيارات بعدًا اقتصاديًا يتجاوز مجرد زيادة الإنتاج، ليصبح أداة لتخفيف الضغط على النقد الأجنبى وتحسين الميزان التجاري ودعم الصناعة الوطنية.

 

في النهاية، وبالنظر إلى حجم واردات مصر من قطع غيار السيارات عام 2025، نجد أن هذه الزيادة الكبيرة في فاتورة الاستيراد تعكس حجم الفرصة المتاحة أمام المستثمرين المحليين والأجانب للدخول في الصناعات المغذية للسيارات، خاصة أن السوق المصرية تعد من أكبر أسواق المنطقة من حيث الطلب على المركبات وخدمات الصيانة وقطع الغيار، وهو ما يجعل توطين هذه الصناعة أحد المسارات الرئيسية لتقليل الاعتماد على الواردات وتعزيز القيمة المضافة للاقتصاد المصرى.


الأكثر قراءة



print