الأربعاء، 24 يونيو 2026 02:55 ص

اتفاق فوق حقل ألغام.. تقدم علني وخلافات سرية في محادثات سويسرا.. واشنطن وطهران تشكلان 4 مجموعات عمل للقضايا العالقة.. إيران ترفض تفتيش منشآتها النووية.. ورسوم "هرمز" تتحدد خلال 60 يومًا

اتفاق فوق حقل ألغام.. تقدم علني وخلافات سرية في محادثات سويسرا.. واشنطن وطهران تشكلان 4 مجموعات عمل للقضايا العالقة.. إيران ترفض تفتيش منشآتها النووية.. ورسوم "هرمز" تتحدد خلال 60 يومًا مفاوضات أمريكا وإيران
الثلاثاء، 23 يونيو 2026 11:45 م
كتبت آمال رسلان

بعد إعلان اتفاق السلام بين الولايات المتحدة وإيران، وما رافقه من آمال بطي صفحة الحرب وإعادة الاستقرار إلى منطقة الخليج والشرق الأوسط، تبدو عملية تنفيذ التفاهمات الجديدة وكأنها تسير فوق حقل من الألغام السياسية والدبلوماسية. فبينما يتحدث الجانبان عن تقدم ملموس في المفاوضات، وإحراز خطوات عملية نحو رفع العقوبات وإعادة فتح مضيق هرمز وتنظيم الملفات العالقة، تكشف التصريحات المتبادلة عن استمرار فجوات كبيرة في الرؤى، خصوصًا فيما يتعلق بالتفتيش النووي، ودور الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومستقبل لبنان، وآليات تنفيذ الالتزامات المتفق عليها.

ورغم حالة التفاؤل الحذر التي تحيط بالمحادثات الجارية في سويسرا، فإن الاتفاق لا يزال يواجه اختبارات حساسة قد تحدد مستقبله خلال الأسابيع المقبلة. فواشنطن تتحدث عن تفاهمات تشمل عودة المفتشين الدوليين إلى إيران وضمانات تتعلق بالشفافية النووية، بينما تؤكد طهران أن الملف النووي لم يدخل بعد مرحلة التفاوض الفعلي، وأن الأولوية الحالية تتركز على تنفيذ البنود الأساسية لمذكرة التفاهم، وفي مقدمتها رفع العقوبات ومعالجة آثار الحرب.

 

تقدم في المفاوضات رغم استمرار الخلافات

وأعلنت إيران تحقيق “تقدم جيد” في المحادثات الجارية مع الولايات المتحدة في سويسرا، مؤكدة أن المفاوضات الفنية التي عقدت في مدينة لوسيرن انتهت بالتوافق على آليات العمل خلال المرحلة المقبلة.

وقال نائب وزير الخارجية الإيراني ورئيس الفريق الفني المفاوض كاظم غريب آبادي إن الجانبين توصلا إلى اتفاق بشأن ترتيبات المحادثات المقبلة، فيما وصف مندوب إيران لدى الأمم المتحدة في جنيف علي بحريني المناقشات بأنها “جيدة جدًا”، مشيرًا إلى قرب الانتقال إلى مرحلة أكثر تفصيلًا من التفاوض.

وفي خطوة تعكس رغبة الطرفين في تحويل التفاهمات السياسية إلى مسارات تنفيذية، اتفق الجانبان على تشكيل أربع مجموعات عمل متخصصة تتولى متابعة الملفات الرئيسية، تشمل رفع العقوبات، والقضايا النووية، وإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية، إضافة إلى آليات المراقبة والتنفيذ.

ويرى مراقبون أن تشكيل هذه المجموعات يمثل أول ترجمة عملية للاتفاق المبدئي الذي تم التوصل إليه بين الطرفين، لكنه في الوقت نفسه يعكس حجم التعقيدات التي لا تزال قائمة، إذ تم تقسيم الملفات الخلافية إلى مسارات منفصلة لتسهيل معالجتها تدريجيًا.

 

خلاف مبكر حول التفتيش النووي

رغم الحديث عن تقدم في المفاوضات، برزت أولى مؤشرات الخلاف بين واشنطن وطهران حول دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فقد أعلن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن بلاده لا تنوي السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بزيارة المنشآت النووية التي تعرضت للقصف الأمريكي والإسرائيلي خلال الحرب.

وأكد بقائي أن إيران لم تعقد أي اجتماع مع المدير العام للوكالة رافائيل جروسي، ولا تخطط للسماح بعمليات تفتيش للمواقع المتضررة، معتبراً أنه لا يوجد أساس قانوني أو بروتوكول ينظم مثل هذه الزيارات.

وجاءت هذه التصريحات على النقيض من ما أعلنه نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، الذي أكد أن المحادثات الأخيرة أسفرت عن تفاهم يسمح بعودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى إيران، معتبراً أن هذه الخطوة تشكل أساسًا لضمانات الشفافية النووية مستقبلاً.

كما شدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أن إيران ستوافق في نهاية المطاف على عمليات تفتيش شاملة تضمن النزاهة النووية لفترة طويلة، وهو ما يعكس تمسك الإدارة الأمريكية باعتبار الرقابة الدولية جزءًا أساسيًا من أي اتفاق نهائي.

إلا أن طهران تؤكد أن مناقشة الملف النووي ودور الوكالة الدولية للطاقة الذرية لن تبدأ قبل تنفيذ البنود الرئيسية الأخرى المتفق عليها بين الطرفين.

 

هرمز يعود إلى الواجهة

في موازاة المسار النووي، يحتل ملف مضيق هرمز موقعًا محوريًا في المفاوضات الجارية، وأكد ممثل إيران في جنيف علي بحريني أن المضيق أصبح مفتوحًا بالكامل أمام حركة السفن التجارية، مشيرًا إلى مرور كميات كبيرة من النفط خلال الأيام الأخيرة عبر الممر البحري الحيوي.

وأوضح أن المرور يتم حاليًا دون فرض رسوم، لكنه أشار إلى أن مستقبل الوضع بعد ستين يومًا سيعتمد على نتائج المفاوضات الجارية، وأضاف أن المباحثات المتعلقة بمضيق هرمز ستجري بصورة رئيسية بين إيران وسلطنة عمان، قبل أن تنتقل إلى مشاورات أوسع مع الأطراف المشاركة في مذكرة التفاهم.

ورغم أن التركيز الإعلامي ينصب غالبًا على الملف النووي، فإن الملف اللبناني برز باعتباره أحد أكثر القضايا حساسية داخل المفاوضات، وأكد ممثل إيران في جنيف أن لبنان مشمول بشكل واضح في مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، مشددًا على ضرورة عدم تعرضه لأي هجمات جديدة.

وأضاف أن الاتفاق يتضمن انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، معتبراً أن أي هجوم جديد على لبنان، سواء في بيروت أو الجنوب أو ضد حزب الله، يمثل خطًا أحمر بالنسبة لطهران.

وحذر من أن أي انتهاك إسرائيلي لمذكرة التفاهم سيؤدي إلى تعقيد المفاوضات الجارية، وقد يدفع إيران إلى اتخاذ مواقف أكثر تشددًا خلال المراحل المقبلة.

وعلى الصعيد الاقتصادي، أعلنت إيران أنها ستحصل على 12 مليار دولار من أصولها المجمدة في الخارج، ضمن التفاهمات الجارية مع الولايات المتحدة، وأن المبلغ سيُفرج عنه على دفعتين متساويتين، تبلغ قيمة كل منهما ستة مليارات دولار، بينما لم تؤكد واشنطن رسميًا حتى الآن تفاصيل الإفراج عن هذه الأموال.

ومع استمرار المفاوضات الفنية وتواصل اجتماعات فرق العمل الجديدة، تبدو الصورة العامة أكثر تعقيدًا مما توحي به التصريحات المتفائلة الصادرة عن الطرفين، وبين التفاؤل الحذر والتباينات الواضحة في الروايات، يمضي الاتفاق الأمريكي الإيراني بخطوات بطيئة ومدروسة. فالحرب توقفت، والمفاوضات مستمرة، لكن الطريق نحو تسوية نهائية لا يزال طويلًا، فيما يبقى نجاح الاتفاق مرهونًا بقدرة الطرفين على تجاوز الملفات الأكثر حساسية دون العودة إلى دائرة التصعيد التي هزت المنطقة خلال الأشهر الماضية.


print