"لا دين ولا وطن" المصلحة أولاً.. شهادات من قلب الإخوان للمنشقين عن التنظيم.. تكشف الوجه الحقيقي للجماعة الإرهابية وترسم ملامح مشروع قائم على التحالفات المتبدلة وتغليب البنية التنظيمية على الاعتبارات الوطنية
منذ لحظة تأسيس جماعة الإخوان الإرهابية عام 1928 على يد حسن البنا، لم تتوقف الأسئلة حول طبيعة هذا التنظيم الذى بدأ كدعوة إصلاحية، ثم تحول سريعًا إلى كيان واسع النفوذ يمتلك هيكلًا تنظيميًا معقدًا وشبكات امتداد داخل المجتمع المصرى وخارجه. ومع مرور العقود، أصبح الإخوان واحدًا من أكثر الملفات السياسية والفكرية إثارة للجدل فى المنطقة العربية، ليس فقط بسبب مواقفهم السياسية، وإنما بسبب بنية التنظيم ذاته وكيفية تعامله مع الدولة والقوى المختلفة.
ورغم الرواية التى تطرحها الجماعة عن نفسها باعتبارها حركة دعوية إصلاحية، فإن عشرات الكتب والشهادات التى كتبها أعضاء سابقون ومنشقون وباحثون متخصصون قدمت صورة مختلفة، تركز على مركزية التنظيم داخل عملية اتخاذ القرار، وعلى أن بقاء الجماعة وتعزيز نفوذها كان دائمًا عنصرًا حاكمًا فى كثير من المراحل.
النشأة.. من دعوة إصلاحية إلى تنظيم محكم البنية
عندما أسس حسن البنا الجماعة الإرهابية فى الإسماعيلية، كان الهدف المعلن هو الإصلاح المجتمعى والدعوة إلى القيم الإسلامية. لكن البناء التنظيمى الذى وضعه منذ البداية اتسم بدرجة عالية من الانضباط والهرمية، ما سمح للجماعة بالانتشار السريع داخل مصر خلال فترة قصيرة.
ومع الوقت، لم يعد الإخوان مجرد حركة دعوية، بل تحولوا إلى تنظيم يمتلك قواعد صارمة للانضمام والتدرج، وأجهزة تنظيمية متعددة المستويات، وهو ما اعتبره بعض الباحثين سر استمرار الجماعة لعقود طويلة رغم الضغوط والتحولات السياسية.
لكن هذا البناء نفسه أصبح لاحقًا محل انتقادات من داخل التنظيم ومن خارجه، حيث رأى عدد من المنشقين أن مركزية التنظيم أصبحت عنصرًا مهيمنًا على طريقة التفكير واتخاذ القرار.
وعندما نتحدث عن التأسيس نقف أمام أكثر الأمور المؤكدة على أن الإخوان منذ تأسيس الجماعة من الممكن أن يضعوا أيديهم بأيدي أي شخص أو فئة مقابل مصلحتهم بعيدا عن الدين الذي اعتادو المتاجرة به وتصدير صورة الجماعة الإسلامية، فبالعودة إلى مصدر التمويل نجد أن الذى ساعد الجماعة فى سنواتها الأولى على التوسع وبناء وجود تنظيمى سريع فى مصر هو شخص ماسوني ودفع مبلغ 500 جنيه لتأسيس الجماعة وهو رقم كان يمثل ثروة كبيرة في ذلك الوقت وفقا لما ذكره القيادي المنشق والخبير في شؤون الجماعات المتطرفة ثروت الخرباوي في كتابه "سر المعبد".
النظام الخاص.. لحظة التأسيس الموازى
يُعد ملف النظام الخاص من أكثر الملفات حساسية فى تاريخ الجماعة، وهو الجهاز الذى تأسس فى الأربعينيات وارتبط بفترة شديدة الاضطراب فى الحياة السياسية المصرية، وقد تناولت دراسات تاريخية عديدة هذا الجهاز بوصفه بنية تنظيمية موازية للهيكل المعلن للجماعة، وارتبط اسمه بسلسلة من الأحداث والصدامات التى لا تزال محل نقاش تاريخى حتى اليوم.
وتحول هذا الملف إلى محور رئيسى فى قراءة تاريخ الإخوان، باعتباره يكشف جانبًا من طبيعة التفكير التنظيمى وعلاقته بالدولة وحدود الفصل بين العمل السياسى والعمل التنظيمى.
"سر المعبد".. شهادة من الداخل على بنية التنظيم
فى كتابه «سر المعبد»، يقدم ثروت الخرباوى، واحدة من أكثر الشهادات تفصيلًا حول الحياة الداخلية للتنظيم، ويصف "الخرباوى" البنية التنظيمية للجماعة بأنها تقوم على درجات دقيقة من الولاء والالتزام والتدرج، مع منظومة تربوية تهدف إلى تشكيل وعي العضو داخل إطار الجماعة قبل انخراطه فى أى نشاط خارجى.
ويشير إلى أن هذا البناء التنظيمى منح الجماعة قدرة كبيرة على الاستمرار والتوسع، لكنه فى الوقت نفسه خلق نمطًا من التفكير يضع مصلحة التنظيم واستمراره فى مركز عملية اتخاذ القرار، وهو ما ينعكس – بحسب رؤيته – على طبيعة المواقف السياسية والتحالفات المختلفة.
يحتل البريطانى أليستر كراولى مكانة خاصة فى هذا الملف، باعتباره أحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل فى أوروبا خلال القرن العشرين.
ويذكر "الخرباوى" فى كتابه أن حسن البنا تعرف على كراولى عام 1927 أثناء تردده على دار الكتب المصرية، وهى رواية أثارت اهتمامًا واسعًا بسبب السمعة التى ارتبطت بكراولى عالميًا، حيث يُعرف كراولى بأنه مؤسس فلسفة "ثيليما"، وارتبط اسمه بالحركات الباطنية والتنظيمات الغامضة، كما أحاطت به خلال حياته اتهامات واسعة فى الصحافة الغربية بسبب نمط حياته وأفكاره المثيرة للجدل، واشتهر بالأسحار وأنه مؤسس "عبدة الشيطان".
مختار نوح.. التحالفات السياسية بين المرونة والمصلحة
من جانبه، قدم الراحل مختار نوح، القيادي المنشق والباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، في تصريحات سابقة قراءات نقدية لطبيعة التحالفات السياسية التى دخلت فيها الإخوان على مدار تاريخهم، وفى شهاداته وكتاباته، أشار إلى أن الجماعة تعاملت مع التحالفات باعتبارها أدوات سياسية مؤقتة ترتبط بالظرف السياسى، وليست التزامات دائمة أو مبادئ ثابتة.
ورأى نوح أن هذه القدرة على التحرك بين مساحات سياسية مختلفة تعكس مرونة تنظيمية، لكنها فى الوقت ذاته تطرح تساؤلات حول ثبات المواقف السياسية وأولويات اتخاذ القرار داخل الجماعة.
سامح عيد.. التنظيم الدولى وإشكالية الانتماء المزدوج
يأتى ملف التنظيم الدولى فى مقدمة القضايا التى تناولها الباحث والمنشق السابق سامح عيد فى دراساته، ويشير "عيد" إلى أن توسع الجماعة خارج حدود الدولة المصرية، وامتلاكها شبكات تنظيمية فى عدة دول، خلق حالة من النقاش المستمر حول طبيعة الانتماء داخل التنظيم، وحدود العلاقة بين الهوية الوطنية والهوية التنظيمية.
وقد أصبح هذا الملف أحد أكثر عناصر الجدل المرتبطة بالإخوان، خاصة فى ظل تباين القراءات حول طبيعة دور التنظيم الدولى وتأثيره على القرار السياسى فى الفروع المختلفة.
حسن البنا وبناء الفكرة والتنظيم معًا
تتوقف العديد من الدراسات عند شخصية حسن البنا باعتباره المؤسس الذى جمع بين الفكرة والتنظيم فى مشروع واحد، فبينما ركزت الجماعة فى خطابها على البعد الدعوى والإصلاحى، فإن البناء التنظيمى الذى أرساه البنا منذ البداية كان يحمل سمات تنظيم سياسى قادر على التمدد والتأثير، وهو ما جعل الجماعة لاحقًا طرفًا رئيسيًا فى المشهد السياسى المصرى والإقليمى.
بين الدعوة والسياسة.. منطقة التداخل الدائم
تطرح كتابات عديدة إشكالية العلاقة بين الدعوى والسياسى داخل الجماعة، حيث يشير بعض الباحثين والمنشقين إلى أن هذا التداخل ظل قائمًا دون فصل واضح بين المجالين، ويرى هؤلاء أن هذا الوضع خلق حالة من التعقيد فى إدارة المواقف السياسية، وأدى إلى تباين دائم بين الخطاب المعلن والممارسة الفعلية فى بعض المراحل التاريخية.