عقد الزواج - أرشيفية
"الزواج" آية من أعظم آيات الله سبحانه، وميثاق سمَّاه الله سبحانه ميثاقًا غليظًا، ومنظومة مُتكاملة تحفظ حقوق الرجل والمرأة، وبقاء زواجهما، وسعادتهما، وتحفظ ما ينتج عن علاقتهما داخل إطاره من أولاد، ومن أهم دعائم نجاح هذه المنظومة هو قيام عقد الزواج بين الرجل والمرأة على نية الديمومة والاستمرار، والتحمل الكامل لمسئولياته كافة، لا أن يقوم على التأقيت، وقصد المتعة إلى أجل حدده الطرفان سلفًا مقابل مبلغ من المال يدفعه الرجل للمرأة -وإن سمياه مهرًا-، دون اكتراث بما يترتب عليه من حقوق ومسئوليات وأبناء وبنات.
وعلى الجانب الآخر كفل الإسلام لكلا طرفي هذا العقد الحرين البالغين العاقلين الرشيدين حق إنهاء الزوجية في أي وقت استحالت فيه العشرة بينهما، دفعًا لضرر مُحققٍ لا يُحتمل مِثلُه عادة، وجعل حل هذا العقد بيد الزوج عن طريق الطلاق، أو الزوجة عن طريق الخلع، أو القاضي عند الترافع إليه لرفع الضرر عن المرأة مع حفظ حقوقها الشرعية.
الطلاق لم يعد استثناءً
في التقرير التالى، يلقى "برلماني" الضوء على إشكالية "الطلاق"، وذلك من خلال الإجابة على حزمة من الأسئلة أبرزها كيف تحوّل الزواج في الوجدان المصري من "ميثاق غليظ" إلى "عقد هش"، قابل للفسخ بأهون الأسباب؟ ولماذا بات الانفصال الجسدي مقدمة مألوفة لطلاق نهائي لا يثير دهشة أحد؟ وهل نحن بصدد انحدار في المفاهيم، أم أمام تحول بنيوي عميق في بنية المجتمع؟ تلك أسئلة لا تُطرح في غرف المحاكم فقط، بل في صمت البيوت المتآكلة، وفي وجوه الأطفال الذين لم يختاروا أن يولدوا في ظل أب وأم ينفصلان نفسيًا قبل أن يفترقا قانونيًا- بحسب أستاذ القانون الجنائى، والمحاضر المعتمد بدائرة القضاء بأبوظبي الدكتور أشرف نجيب الدريني.
في البداية - صار الطلاق في مصر ظاهرة اجتماعية متسارعة، تعكس خللاً عميقًا في بنية المفاهيم لا في صياغة النصوص والقوانين، فالدخول إلى مؤسسة الزواج لا يتم في الغالب عن قناعة ناضجة، بل نتيجة ضغوط مجتمعية متراكمة، يتصدرها وعي زائف رسّخته الثقافة الشعبية بأن "الزواج غاية في ذاته"، وأن الزوجة لا تُعد ناجحة ما لم تتزوج، بغض النظر عن نوعية الشريك أو جوهر العلاقة، فتُدفع الفتاة دفعًا نحو الزواج لمجرد حمل لقب "زوجة"، دون منحها المساحة الكافية لاختيار مبني على التفاهم، والتوافق القيمي، والوضوح النفسي - في المقابل - يُمنح الرجل صورة ذهنية كاذبة بأنه دليل نجاح، وأن تأخر زواجه قد يُنقص من هيبته، فيهرع بدوره نحو الارتباط دون وعي بمسؤولياته، ودون استعداد نفسي أو وجداني لتحمّل تبعات تلك الخطوة المصيرية – وفقا لـ"الدرينى".
الزواج ليس مجرد مظهر اجتماعي أو طقس احتفالي
ويفاجأ الطرفان بعد أشهر قلائل بكم المسؤولية الملقاة على عاتق كل منهما، تنقشع سحب التصورات الحالمة، وتتكشف الحقيقة الثقيلة: الزواج ليس مجرد مظهر اجتماعي أو طقس احتفالي، بل منظومة يومية متراكبة من العطاء، والتضحية، والحوار، والاحتواء، لا يصمد فيها إلا من أُعدّ لها إعدادًا حقيقيًا، وهنا يظهر الخلل البنيوي الأكبر: لم نُربِّ أبناءنا على تحمّل المسؤولية، ولم نُعدّهم لإدارتها، فجأة يتحول الحلم إلى عبء، والتقارب إلى تضاد، ثم تتسارع وتيرة العناد، ويتفاقم الصدام، وتغيب لغة التفاهم لصالح معارك باردة تؤسس لانفصال جسدي قد يطول، وربما ينتهي إلى طلاق صريح لا مفر منه – الكلام لـ"الدرينى".
وتزداد الصورة قتامة حين نضيف البعد الاقتصادي، الذي تحول من عامل استقرار إلى عنصر تهديد، فلم يعد كثير من الأزواج قادرين على أداء واجباتهم، لا لتقصير شخصي، ولكن لضيق ذات اليد وتضخم تكاليف الحياة - وفي المقابل - خرجت المرأة للعمل، إما بدافع الحاجة أو الطموح، فاختلت الأدوار وتاهت معالم القوامة، لا لقصور في النصوص، ولكن لجمود في فهمها، وفقر في التكيف مع متغيرات الواقع، ولم يُدرك كثير من الرجال أن القوامة ليست سلطة، بل مسؤولية، كما لم تُدرك بعض النساء أن الشراكة لا تنفي الحاجة إلى التوازن، وأن النجاح المهني لا ينبغي أن يُبنى على أنقاض الاستقرار الأسري – هكذا يقول الخبير القانونى.
جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتزيد الانفصال انفصامًا
وقد أفرز هذا التوتر المتراكم أشكالًا جديدة من الانفصال، أبرزها الانفصال الجسدي داخل بيت واحد، حيث يعيش الزوجان دون حوار، دون دفء، دون مودة، كأنما يتقاسمان سكنًا لا حياة، وتُسكت الأصوات تحت دعاوى الحفاظ على الأبناء، أو خوفًا من الوصم، أو انتظارًا لفرج قد لا يأتي، فيتحول البيت إلى سرداب طويل من الصمت الموحش، وتُترك النفوس للذبول.
ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتزيد الانفصال انفصامًا، فصارت النافذة الأولى للهروب العاطفي، وبات البعض يبحث فيها عن بدائل خيالية لعلاقات لم يُحسن إدارتها، ويُقارن الأزواج حياتهم الحقيقية بصور مصطنعة على إنستجرام، فتغزو الغيرة العمياء النفوس، ويُصاب الجميع بعُقد نقص لا تلبث أن تتحوّل إلى عداء ضمني، وصراع صامت، واحتقان دائم، وبدل أن تكون هذه الوسائل أداة تواصل، أصبحت معولًا من معاول الهدم الصامت للعلاقات – طبقا لـ"الدرينى".
التفكير في إجراءات وقائية عملية تتعامل مع الواقع لا الشعارات
وإذا أردنا معالجة هذا النزيف، فعلينا أن نبدأ من الجذر، من المنظومة القيمية والثقافية، ومن إعادة تعريف مفهوم الزواج ذاته، فلا بد من إعادة تأهيل وعي المجتمع ليؤمن بأن الزواج ليس مجرد مظهر، ولا نجاح المرأة مقصور على اقترانها برجل، ولا الرجل يُقاس بكمال رجولته في عدد أبنائه، بل في وعيه، وتوازنه، وإنسانيته، فإن اختيار الشريك يجب أن يُبنى على قناعة داخلية، واستعداد لتحمّل المسؤولية، لا مجرد هروب من ضغط المجتمع أو خوف من لقب "عانس" أو "أعزب"، كذلك لا بد من تعزيز دور المؤسسات التربوية والإعلامية والدينية في غرس هذا المفهوم، وتقديم نموذج الزواج كعلاقة شراكة ناضجة، لا معركة استنزاف، ولا مظلة اضطرار.
وفي هذا السياق، لا بد من التفكير في إجراءات وقائية عملية تتعامل مع الواقع لا الشعارات، من بينها سنّ تشريع يمنع الإنجاب في العامين الأولين من الزواج، ليتاح للزوجين الوقت الكافي لفهم طبيعة علاقتهما، وتجاوز صدمات البدايات، قبل تحميلها مسؤولية أبناء قد يدفعون لاحقًا ثمن انفصال مبكر، كما يُقترح وضع حد أقصى لعدد الأبناء لا يتجاوز طفلين، كإجراء مجتمعي ينطلق من اعتبارات اقتصادية ونفسية، ويهدف إلى بناء أسر مستقرة ومتماسكة، قادرة على تنشئة أجيال أكثر توازنًا.
ضرورة إقرار برامج إلزامية لتأهيل المقبلين على الزواج
أما الحلول العملية، فتبدأ بإقرار برامج إلزامية لتأهيل المقبلين على الزواج، تُدرّس فيها المهارات النفسية والاجتماعية والتواصلية، إلى جانب المعارف القانونية والدينية، كما يجب تشجيع إنشاء مراكز دعم أسري في كل حي، تقدم استشارات مجانية، وتلعب دور الوسيط في الأزمات، قبل أن تصل إلى أبواب المحاكم، فإذا أردنا إنقاذ الأسرة المصرية من التفكك، فعلينا أن نؤمن بأن الزواج مشروع وعي لا مشروع ورق، وأن اختيار الشريك قرار مصيري لا نزوة مؤقتة، وأن المسؤولية لا تُحمل إلا لمن أُعدّ لحملها – كما يرى "الدرينى".
والطلاق ليس كارثة إذا جاء بعد استنفاد كل المحاولات، ولكنه يصبح جريمة حين يكون نتيجة حماقة، أو ضعف إدراك، أو ضغط مجتمع أعمى، وإذا لم نُعد تشكيل العقل الجمعي، ونُصلح ما أفسدته العادات، ونُرشد الإعلام والدين إلى القيام بدور إيجابي في هذا الإطار، فسوف نظل ندور في حلقة مفرغة من الانفصال والانكسار، وتفكك الأواصر، واغتراب الأبناء عن دفء البيت، واغتراب الأزواج عن ذواتهم.
وفى الأخير يقول "الدرينى": الحفاظ على مؤسسة الزواج لا يكون بالتشدق بالشعارات، بل بإعادة الاعتبار للإنسان، ولحقه في الاختيار، ولواجبه في البناء، وشتان بين زواج قائم على المبدأ، وآخر مبني على المجاملة أو الهروب، فالأول يصمد في وجه العواصف، والثاني يسقط عند أول نسمة خلاف، وإن كان القانون وسيلة لضبط العلاقة، فإن الوعي هو أساس استدامتها، والرحمة هي ظلها، والاحترام هو جدارها الأخير، ومن لم يتأسس على ذلك، سقط مهما ادعى الصمود.