المفاوضات الأمريكية الإيرانية
هل تعود واشنطن وطهران إلى طاولة المفاوضات؟ أم أن فجوة الثقة واتساع المطالب تقودان إلى جولة تصعيد جديدة؟ هذا السؤال يفرض نفسه بقوة في ظل تعثر محادثات إسلام آباد، رغم المؤشرات المتباينة التي تجمع بين حديث عن “تقدم نسبي” وتحركات عسكرية متصاعدة، تضع مستقبل الهدنة المؤقتة على المحك.
في هذا السياق، ألقى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان باللوم على ما وصفه بـ"المبالغة في المطالب وغياب الإرادة السياسية" لدى الولايات المتحدة، معتبراً أن ذلك حال دون التوصل إلى اتفاق نهائي خلال الجولة الأخيرة من المفاوضات. وخلال اتصال هاتفي مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أكد بزشكيان أن طهران قدمت شروطها بشكل واضح، وشددت على ضرورة الالتزام الدقيق بها، إلا أن النهج القائم على الضغط والتهديد لم يسهم في تقريب وجهات النظر.
ورغم هذا التعثر، حرص الرئيس الإيراني على التأكيد أن بلاده لا تزال ترى في الدبلوماسية المسار الأفضل، معلناً استعداد طهران لمواصلة الحوار، لكن حصراً في إطار القوانين الدولية وبما يضمن حقوق الشعب الإيراني، مشيراً في الوقت نفسه إلى إمكانية لعب أوروبا دوراً في دفع واشنطن نحو التزامات أكثر واقعية.
في موازاة ذلك، كشفت الحكومة الإيرانية عن حجم الخسائر الاقتصادية الناتجة عن الحرب الأخيرة، والتي قدّرتها بنحو 270 مليار دولار، في رقم يعكس عمق التأثيرات التي طالت البنية التحتية والاقتصاد الإيراني. وأوضحت المتحدثة باسم الحكومة، فاطمة مهاجراني، أن هذه التقديرات تشمل الأضرار التي لحقت بالمباني السكنية والمنشآت الصناعية والتجارية، فضلاً عن الخسائر البشرية، مؤكدة أن ملف التعويضات يتصدر أولويات طهران في أي مفاوضات قادمة مع الولايات المتحدة.
وأشارت مهاجراني إلى أن هذا الملف طُرح بالفعل خلال محادثات إسلام آباد، كما سبق أن أكده الرئيس الإيراني في أكثر من مناسبة، ما يعكس تمسك طهران بالحصول على مكاسب اقتصادية مباشرة كجزء من أي تسوية محتملة.
في المقابل، نقلت وكالة إرنا»عن مصدر دبلوماسي إيراني أن الاتصالات مع باكستان لا تزال مستمرة، دون وجود قرار رسمي حتى الآن بشأن عقد جولة جديدة من المفاوضات. هذا النفي الحذر يتناقض مع ما أوردته وكالة رويترز، عن إمكانية استئناف المحادثات في وقت قريب، ربما قبل نهاية الأسبوع، رغم عدم تحديد موعد نهائي حتى الآن.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن الوفود أبقت الفترة من الجمعة إلى الأحد مفتوحة، ما يعكس حالة من الترقب المشوب بالحذر، في ظل غياب توافق واضح على جدول زمني أو إطار تفاوضي محدد.
على الجانب الأمريكي، اتهم نائب الرئيس جيه دي فانس إيران بممارسة "الإرهاب الاقتصادي" من خلال إغلاق مضيق هرمز، مؤكداً أن "الكرة في ملعب طهران" فيما يتعلق بإبرام اتفاق. وأشار إلى أن واشنطن قدمت تنازلات واضحة وحددت خطوطها الحمراء، مضيفاً أن التوصل إلى اتفاق شامل لا يزال ممكناً، لكنه مرهون بخطوة إيرانية حاسمة.
وفيما يعكس هذا التصريح تمسك واشنطن بشروطها، كشفت صحيفة نيويورك تايمز عن فجوة كبيرة في مواقف الطرفين بشأن الملف النووي، حيث طلبت الولايات المتحدة تعليق أنشطة تخصيب اليورانيوم لمدة 20 عاماً، مقابل عرض إيراني بتجميدها لمدة خمس سنوات فقط، وهو ما رفضه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. كما رفضت طهران مقترح نقل اليورانيوم المخصب إلى خارج البلاد، مكتفية بعرض خفض نسب التخصيب.
هذه التباينات الجوهرية تفسر إلى حد كبير فشل جولة المفاوضات التي استمرت نحو 21 ساعة في إسلام آباد، وانتهت دون اتفاق، رغم حديث الجانبين عن تقدم ف ي بعض الملفات. وهو ما يعزز الانطباع بأن الأزمة لا تزال بعيدة عن الحل، وأن ما تحقق حتى الآن لا يتجاوز كونه خطوة أولية في مسار طويل ومعقد.
وفي خضم هذا الجمود السياسي، تتصاعد مؤشرات التصعيد العسكري، حيث أفادت تقارير إعلامية أمريكية ببدء تحركات بحرية واسعة لتأمين مضيق هرمز، شملت إرسال كاسحات ألغام وسفن حربية إضافية، ضمن خطة لفرض حصار على الموانئ الإيرانية وتأمين الملاحة في الممر الحيوي.
كما نقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن مسؤولين أمريكيين نشر أكثر من 15 سفينة حربية في المنطقة، في خطوة تعكس استعداداً لمواجهة أي تطورات ميدانية، وتزيد من تعقيد المشهد التفاوضي.
وفي ظل هذه المعطيات المتشابكة، تتزايد التساؤلات حول مستقبل المسار الدبلوماسي: هل تمهد هذه الضغوط العسكرية لفرض تنازلات على طاولة المفاوضات، أم أنها تقوض فرص العودة إليها؟ وهل يمكن للوساطة الإقليمية، خاصة الباكستانية، أن تعيد الطرفين إلى الحوار، أم أن تضارب الشروط سيظل العقبة الأكبر؟
في النهاية، يبدو أن الطريق إلى اتفاق نهائي لا يزال طويلاً، وأن الإجابة عن هذه الأسئلة ستتحدد خلال الأيام القليلة المقبلة، التي قد تشهد إما انفراجه تعيد إحياء المفاوضات، أو تصعيداً جديداً يعيد المنطقة إلى مربع المواجهة.