الخارجية الإيرانية: النقاشات شابها سوء الظن وعدم ثقة.. وترامب يلوح بحصار بحري
خيمت حالة من الغموض الشديد على مستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط، عقب إعلان فشل المفاوضات الماراثونية التي احتضنتها العاصمة الباكستانية إسلام آباد بين الوفدين الإيراني والأمريكي على مدار يومين، فرغم الآمال التي عُلقت على هذه الجولة، انتهت المباحثات دون الوصول إلى اتفاق نهائي، مما وضع وقف إطلاق النار المؤقت الذي استمر لمدة أسبوعين في مهب الريح، وأثار مخاوف دولية واسعة من استئناف الأعمال العدائية وتصاعد حدة الحرب بشكل غير مسبوق في ظل تضارب الأنباء حول التحركات العسكرية في الممرات المائية الاستراتيجية.
وفي تفاصيل الموقف الإيراني، أوضح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، أنه تم التوصل بالفعل إلى تفاهم بشأن عدد من القضايا خلال المفاوضات في باكستان، لكن المحادثات لم تؤد في النهاية إلى اتفاق رسمي، حيث أشار بقائي إلى أن الطرفين تفاهموا على عدة قضايا إلا أن وجود فجوة في ملفات كبرى منع التوصل لاتفاق، مؤكداً أن وجهات النظر كانت متباعدة بشأن موضوعين أو ثلاثة موضوعات مهمة، وأنه لم يكن ينبغي منذ البداية توقع التوصل إلى اتفاق شامل خلال جلسة واحدة.
وكشف بقائي - وفقاً لما نقلته "روسيا اليوم" - أن هذه الجولة أضيفت إليها قضايا جديدة مثل مضيق هرمز والوضع في المنطقة، مشدداً على أن الاتصالات والمشاورات بين إيران وباكستان وسائر الأصدقاء في المنطقة ستتواصل، واصفاً هذه الجولة بأنها أطول جولة أجراها الجهاز الدبلوماسي الذي لن يتوقف عن عمله.
واستطرد بقائي في توضيحه للأجواء المحيطة بالمفاوضات، مبيناً أن الفجوة في وجهات النظر حول الموضوعات الجوهرية تأتي في سياق مفاوضات تمت بعد 40 يوماً من الحرب المفروضة، وفي جو يسوده سوء الظن وعدم الثقة، مما يجعل من الطبيعي عدم توقع اتفاق سريع، وأكد بقائي أن الجهاز الدبلوماسي ملتزم بمتابعة حقوق ومصالح الشعب الإيراني، حيث تم النقاش خلال الـ 24 ساعة الماضية حول أبعاد مختلفة تشمل مضيق هرمز، والملف النووي، وتعويضات الحرب، ورفع العقوبات، والإنهاء الكامل للحرب ضد إيران وفي المنطقة.
وأعتبر أن نجاح هذه العملية مرهون بجدية الطرف الآخر الأمريكي وحسن نيته وتجنب التجاوز والمطالب غير القانونية وقبول حقوق إيران المشروعة، كما تقدم بالشكر لحكومة وشعب باكستان على استضافة وجهود دفع هذا المسار.
وعلى الجانب الآخر، جاء الموقف الأمريكي حازماً ومغايراً، حيث أعلن نائب الرئيس الأمريكي "جي دي فانس" في مؤتمر صحفي عُقد في إسلام آباد، أن الولايات المتحدة وإيران لم تتوصلا إلى اتفاق خلال المفاوضات التي جرت يوم السبت، وبالتزامن مع هذا الإعلان، صرح الرئيس دونالد ترامب بأنه "لا يكترث" لنتائج المحادثات، مؤكداً أن الولايات المتحدة حققت أهدافها بالفعل وأن عملية تطهير مضيق هرمز قد بدأت.
وتركزت الخلافات الأساسية حسب التقارير الإعلامية الأمريكية والإيرانية، حول السيطرة على المضيق والبرنامج النووي ووقف الضربات الإسرائيلية على حزب الله، حيث تمسكت إيران بمقترح مكون من 10 نقاط مقابل مقترح أمريكي من 15 نقطة، وقد تزامنت هذه التعقيدات مع تقارير عن عبور سفن تابعة للبحرية الأمريكية لمضيق هرمز لأول مرة منذ بدء الصراع، مما زاد من حدة التوتر الدبلوماسي في هذه المباحثات.
ونقل موقع "أكسيوس" الإخباري الأمريكي عن مصدر مطلع أن الخلافات تتعلق بمطالبة إيران بالسيطرة على مضيق هرمز ورفضها التخلي عن مخزونها من اليورانيوم المخصب، وذكر الموقع أن الفريق التفاوضي الأمريكي كان على تواصل مباشر مع وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، ووزير الخزانة سكوت بيسنت، وقائد القيادة المركزية براد كوبر.
ورغم أن الجانب الأمريكي كان يأمل في تحقيق زخم كافٍ لتمديد وقف إطلاق النار، إلا أن وكالة أنباء تسنيم الإيرانية الرسمية ألقت باللوم على تجاوزات الولايات المتحدة وطموحاتها التي عرقلت التوصل لإطار عمل مشترك، فيما أفادت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية أن هذا الفشل يضع الرئيس دونالد ترامب أمام خيارات صعبة، وهو ما دفع ترامب للتلويح عبر منصة "تروث سوشيال" بـ"الورقة الرابحة" المتمثلة في فرض "حصار بحري" كامل، مستشهداً ببرامج تلفزيونية تدعم هذه الفكرة لتمكين البحرية الأمريكية من السيطرة على حركة الملاحة مستفيدة من وجود حاملتي الطائرات "يو إس إس جيرالد آر فورد" و"يو إس إس أبراهام لينكولن"، وسط تصريحات لخبراء عسكريين تشير إلى أن تدمير أو السيطرة على جزيرة "خرج" النفطية قد يكون وسيلة واشنطن للضغط الأقصى.
ومع انتهاء المباحثات صباح اليوم الأحد كما أكد وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحق دار، الذي أعرب عن أمله في استمرار الالتزام بوقف إطلاق النار، تبرز تساؤلات ملحة حول القادم، هل ستتمكن القنوات الدبلوماسية "التي لن تنتهي" من احتواء الفجوة العميقة بين المقترحات العشرة الإيرانية والـخمسة عشر الأمريكية؟ أم أن المنطقة ستشهد تحول التهديدات بـ"الحصار البحري" إلى واقع ميداني يبدأ من جزيرة "خرج" ويمتد ليشمل الملاحة الدولية في مضيق هرمز؟ وهل سيصمد وقف إطلاق النار الهش أمام رغبة الأطراف في فرض شروطها بالقوة بعد فشل قاعة المفاوضات؟