الإرث الرقمى - أرشيفية
لم يعُد الإنسان في عصر البيانات كائنًا يولد ويعيش ثم يختفي أثره بموته؛ بل أصبح وجوده ممتدًا في فضاءاتٍ رقمية لا تنام، تُراكم صوره ورسائله وأفكاره وتفاعلاته في ذاكرةٍ كونية لا تُمحى، ونحن أصبحنا أمام حقيقة جديدة تقول: إن الموت لم يعُد نهاية الوجود، بل بداية طورٍ آخر يُعاد فيه تعريف الإنسان بوصفه كائنًا بيولوجيًا في الحياة… ورقميًا في الخلود، ومن هنا نشأ مفهوم الميراث الإلكتروني؛ لا بوصفه مجرد انتقال كلمات مرور أو ملفات مخزنة في سحابةٍ إلكترونية، بل كتحوّلٍ فلسفي عميق في معنى الإرث ذاته.
مع التطور التكنولوجي السريع، لم تعد الأصول والممتلكات تقتصر على الأشياء المادية فقط، بل أصبحت الممتلكات الرقمية جزءًا مهمًا من حياة الأفراد، والميراث الرقمي هو جميع الحسابات والممتلكات الإلكترونية التي يتركها الفرد بعد وفاته، وتشمل هذه الأصول ما له قيمة مالية أو اجتماعية أو معنوية، ويجب التعامل معها كجزء من التركة وفقًا للقانون.

ماهو الميراث الرقمي وماهي كيفية التعامل معه قانونيًا؟
في التقرير التالى، يلقى "برلماني" الضوء على الميراث الرقمى من حيث الماهية والتقسيم، والإجابة على حزمة من الأسئلة أبرزها هل يمكن أن نرث الذاكرة؟ وهل تصبح المشاعر المؤرشفة قيمة اقتصادية؟ وهل تُعد الحسابات الإلكترونية مالًا قابلاً للتوريث؟ وهل يمكن للورثة فتح هاتفٍ مغلق ببصمة وجه المتوفى؟ وهل تُورَّث العملات المشفرة التي لا يعرف أحد مفاتيحها السرية؟ وما حدود سلطة الشركات في حجب "الميت الرقمي" بدعوى الخصوصية؟ وهل يمكن أن تُعيد الثروة الرقمية تعريف العدالة في الميراث؟ - بحسب الخبير القانوني الدولى والمحامى بالنقض الدكتور فارس إسماعيل العكروتى، الباحث في الذكاء الاصطناعي.
هل يمكن أن نرث الذاكرة؟ وهل تصبح المشاعر المؤرشفة قيمة اقتصادية؟ وهل يتحول الإنسان بعد رحيله إلى "ثروة معرفية" تتحرك داخل أسواق التكنولوجيا كما تتحرك الأسهم والسندات؟
في البداية - لقد فرضت الثورة الرقمية واقعًا جديدًا: ملايين الحسابات، المحافظ الإلكترونية، العملات المشفرة، الصور، الرسائل، المؤلفات غير المنشورة، البصمة السلوكية المخزنة في خوارزميات الذكاء الاصطناعي… كلها أصول تظل باقية بعد فناء صاحبها. هذه الأصول تجاوزت — رمزيًا واقتصاديًا — كثيرًا من الممتلكات التقليدية التي عرفها الفقه القانوني عبر القرون، نحن أمام معادلة غير مسبوقة – وفقا لـ"العكروتى":
إنسان يفنى… وبيانات تبقى.
جسد يختفي… ووجود رقمي يتضخم.
موت فرد… وولادة اقتصاد.

إن الاقتصاد العالمي يشهد اليوم صعود ما يمكن تسميته اقتصاد ما بعد الموت؛ حيث تتحول التركات الرقمية إلى أصول قابلة للتداول والاستثمار والتنظيم، ولم تعد شركات التكنولوجيا مجرد منصاتٍ للتواصل، بل أصبحت "حُماة" لتركات مليارات البشر، تمتلك سلطة غير مسبوقة على حياةٍ رقمية تمتد بعد الحياة الفعلية نفسها، وهكذا ظهر لاعب جديد في المشهد القانوني: مؤسسات تتحكم في بقاء الإنسان الرقمي – الكلام لـ"العكروتى".
وينقسم الميراث الرقمي إلى عدة فئات رئيسية:
1. الحسابات الشخصية
-حسابات البريد الإلكتروني.
-حسابات وسائل التواصل الاجتماعي (فيسبوك، إنستجرام، تويتر، وغيرها).
-حسابات تخزين سحابي تحتوي على صور، مستندات، وفيديوهات.
2. الأصول المالية الرقمية
-المحافظ الرقمية
-العملات المشفرة
-الحسابات البنكية الإلكترونية.
3. المحتوى الإبداعي والمهني
-المدونات والمواقع الشخصية.
-قنوات اليوتيوب، منصات البث، كتب إلكترونية، دورات تدريبية، وأعمال إبداعية تحقق دخلاً.
4. حقوق الملكية الفكرية
-براءات الاختراع المرتبطة بالبرامج أو التطبيقات.
-تصاميم رقمية، أكواد برمجية، أو مشاريع فنية.
5. الاشتراكات الرقمية
-اشتراكات في منصات تعليمية، مكتبات إلكترونية، أو خدمات مدفوعة أخرى.

كيفية التعامل مع الميراث الرقمي قانونيًا؟
يوجد بعض الإجراءات الأساسية التي يمكن اتباعها:
1. إعداد وصية رقمية
يُنصح بكتابة وصية تحدد تفاصيل الأصول الرقمية وكيفية إدارتها بعد الوفاة.
يمكن تعيين شخص محدد (وصي رقمي) يتولى تنفيذ هذه الوصية.
2. إدارة الحسابات الرقمية
توفر بعض المنصات خدمات تتيح تعيين جهة موصى لها لإدارة الحساب بعد الوفاة، مثل خدمة "الجهة الموصى لها" على فيسبوك، في حالة عدم وجود وصية أو جهة موصى لها، قد يُطلب من الورثة تقديم وثائق قانونية للحصول على حق الوصول إلى الحسابات.

هنا يثور السؤال الجوهري: من يملك ذاكرة الإنسان بعد رحيله؟ الورثة؟ أم الشركات؟ أم القانون؟ أم خصوصية الميت التي تظل تطالب بالصمت؟
يُجيب الخبير القانوني: إن هذا التحول يفرض على الدول إعادة صياغة علاقتها بالمواطن؛ ليس فقط كمواطن يعيش فوق أرضها، بل ككيانٍ رقمي يتجاوز الجغرافيا والسيادة، ومع تضخم الأصول الرقمية، تتزايد الأسئلة التي تهزُّ بنية الفكر القانوني:
هل تُعد الحسابات الإلكترونية مالًا قابلاً للتوريث؟
هل يمكن للورثة فتح هاتفٍ مغلق ببصمة وجه المتوفى؟
هل تُورَّث العملات المشفرة التي لا يعرف أحد مفاتيحها السرية؟
ما حدود سلطة الشركات في حجب "الميت الرقمي" بدعوى الخصوصية؟
وهل يمكن أن تُعيد الثروة الرقمية تعريف العدالة في الميراث؟

لقد تحولت حياة الإنسان إلى حياةٍ مزدوجة: واقعية وافتراضية، وفي هذه الحياة الافتراضية يملك الفرد ممتلكات ذات قيمة مالية وأدبية واجتماعية: بريدًا إلكترونيًا، مكتبات سحابية، صفحات تواصل اجتماعي، قنوات رقمية، محافظ إلكترونية، مواقع شخصية، مؤلفات مخزنة، وصورًا تحمل تاريخًا كاملًا للعائلة، لكن الفقه القانوني التقليدي لم يكن مهيئًا لاستيعاب هذا النوع من الملكية غير المادية، ففي حين اعتاد القانون أن يتعامل مع التركة باعتبارها أموالًا مادية أو حقوقًا مالية واضحة، جاء الواقع الرقمي ليطرح إشكاليات لم يعرفها التشريع من قبل: طبيعة الملكية الرقمية، حدود انتقالها، تعارضها مع الخصوصية، سلطة الشركات الرقمية، والعقبات التقنية التي قد تجعل الوصول إليها مستحيلًا – هكذا يقول "العكروتى".
وقد كشفت الوقائع العملية عن مآسٍ قانونية حقيقية: عملات رقمية بملايين الدولارات ضاعت إلى الأبد لأن أصحابها توفوا دون أن يتركوا مفاتيحها، وأسرٌ عاجزة عن فتح أجهزة ذويها لمعرفة ما لهم وما عليهم من حقوق وديون. حسابات تواصل اجتماعي تحولت إلى أطلالٍ رقمية لا يملك أحد حق إدارتها أو إغلاقها، مؤلفات وصور ورسائل بقيت حبيسة خوادم الشركات لأن شروط الاستخدام تمنع الورثة من الوصول إليها – طبقا لـ"العكروتى".
أمام هذه الوقائع، لم يعُد السؤال نظريًا، بل أصبح عمليًا ملحًّا:
كيف نتعامل مع التركة الرقمية؟
وإلى من ستؤول؟
ومن يملك حق التصرف فيها؟
وكم ستبقى؟
وهل يتطلب الأمر تدخلًا تشريعيًا وطنيًا أم اتفاقًا دوليًا؟
لقد اختلفت التشريعات المقارنة في التعامل مع هذه القضية. بعض الدول بدأت بالفعل في وضع أطرٍ تُلزم المنصات الرقمية بتمكين الورثة من الوصول إلى حسابات المتوفين بشروطٍ محددة، بينما لا تزال دول أخرى تفتقر إلى أي تنظيم صريح، تاركةً الأمر لاجتهادات قضائية متفرقة وسياسات شركات عابرة للحدود.
وعلى الصعيد الدولي، لم تتبلور بعد قواعد موحدة تنظم هذا النوع من الميراث، رغم ارتباطه الوثيق بحقوق الإنسان في الخصوصية، وحماية البيانات، والملكية الفكرية، والتجارة الإلكترونية، ومن ثمّ، برزت الحاجة إلى إطار قانوني دولي يحدد ماهية الأصول الرقمية، وطبيعة انتقالها، وحدود سلطة الورثة، ومسؤوليات الشركات، وهذا كله مدخل لدخول بوابة عصر الخلود الرقمي، العصر الذي تتحدث فيه الخوارزميات بلغةٍ لم ينطق بها الإنسان من قبل – كما يرى "العكروتى".
