مشروع تطوير العتبة هو حلقة في سلسلة طويلة بدأت بتطوير ميدان التحرير وسور مجرى العيون، وهو ما يعد إعلان رسمي بأن القاهرة لا تترك قلبها القديم يموت، ولم تكن العتبة يوما مجرد ميدان عابر في جغرافيا العاصمة بقلب العاصمة ، بل هي الشريان التجاري الأكبر، وذاكرة القاهرة الخديوية التي اختنقت عبر العقود بزحام الباعة الجائلين وتهالك البنية التحتية. اليوم، وفي مشهد يعكس إصرار الدولة المصرية على استعادة رئة القاهرة، أعلنت الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، عن تدشين المرحلة الثانية من تطوير المنطقة.
إنها ليست مجرد عملية تجميل لسطح الميدان، بل هي جراحة دقيقة في أعماق البنية التحتية، تستهدف تحويل الفوضى إلى نظام، والتلوث البصري والبيئي إلى استدامة حضرية تليق بمصر 2026.
المرافق أولا لإنقاذ الميدان
اكد الدكتور سعيد حلمي عبد الخالق، رئيس قطاع الإدارة الاستراتيجية بوزارة التنمية المحلية والبيئة، أن الرؤية الحالية لتطوير العتبة تتجاوز المفهوم التقليدي. فالمرحلة الثانية بدأت من تحت الأرض، وبدأت الأطقم الفنية لشركة مياه الشرب بالانتشار في الشوارع الداخلية، وعلى رأسها شارع يوسف نجيب، لإحلال وتجديد شبكات مياه متهالكة لم يتم لمسها منذ عقود.
تحدي الصرف الصحي
ويضيف الدكتور سعيد حلمي عبد الخالق انه بالتوازي مع ذلك انطلقت المطارق والمعدات في شارع قطاوي تحت إشراف شركة الصرف الصحي، لإنهاء كابوس الانسدادات المتكررة التي كانت تهدد سلامة المباني التاريخية في المنطقة.
الدكتورة منال عوض وزيرة التنمية المحلية والبيئة تؤكد ايضا أن البدء بالمرافق هو الركيزة الأساسية، فلا يمكن الحديث عن أرصفة منسقة أو إنارة ذكية قبل ضمان استدامة الشبكات الأرضية التي تخدم آلاف المحال التجارية وملايين الزوار يومياً.
التمويل الذاتي من "الخطة الاستثمارية" لخدمة المواطن
المثير للاهتمام في هذا المشروع هو نموذج التمويل، حيث يتم تنفيذ الأعمال بتمويل كامل من الخطة الاستثمارية لديوان عام وزارة التنمية المحلية والبيئة، وهو ما يعكس دور الوزارة الجديد كمحرك للتنمية وليس مجرد جهة رقابية.
التنسيق بين الجهات التنفيذية كلمة السر
ما يحدث من تنسيق كامل تحت إشراف وزارة التنمية المحلية والبيئة بين محافظة القاهرة كجهة تنفيذية وإدارية للأرض، والجهاز القومي للتنسيق الحضاري هو الضمان لألا تمس أعمال التطوير الهوية التاريخية للمباني المحيطة بالميدان، حيث إن التنسيق بين وزارة التنمية المحلية والبيئة ومحافظة القاهرة يعد مثلث الأمان لهذا المشروع، حيث تتابع الوزارة الميدان عبر تقارير دورية من قطاع الإدارة الاستراتيجية، لضمان مطابقة ما ينفذ على الأرض للمعايير الفنية المعتمدة دولياً.
من سوق عشوائي إلى مركز تجاري حضري
تستهدف الدولة من خلال هذا المشروع إعادة هيكلة الأسواق التقليدية، فالعتبة تاريخيا كانت تعاني من تراكم المخلفات الصلبة، وتداخل حركة المشاة مع السيارات، ومخاطر الحريق الناتجة عن التوصيلات الكهربائية العشوائية.
المخطط الجديد
يشمل المخطط الجديد لمنطقة العتبة تنظيم المساحات لخلق مسارات محددة للمشاة وأخرى للشحن والتفريغ، اضافة الى
تحقيق استراتيجية التنمية المستدامة من خلال دمج البعد البيئي عبر منظومة متطورة لجمع المخلفات وتدويرها فورياً، مع زيادة المساحات الخضراء المتاحة لتقليل الانبعاثات الكربونية في منطقة تعد الأكثر كثافة في مصر، وتحقيق الأمان من خلال تركيب شبكات إطفاء حريق متطورة ترتبط بشبكة المياه الجديدة، لحماية الأرواح والممتلكات من الحرائق المتكررة التي كانت تلتهم المليارات سنوياً.
سباق مع الزمن ومعايير فنية لا تقبل التهاون
وشددت الدكتورة منال عوض على الجدول الزمني للتنفيذ ، فالمنطقة لا تتحمل الإغلاقات الطويلة بسبب طبيعتها التجارية الحساسة، لذلك تم وضع برنامج زمني مكثف يضمن التكامل بين الجهات المنفذة من مياه، صرف، كهرباء، رصف، لضمان عدم الحفر مرتين.
"إن تطوير العتبة ليس مجرد مشروع إنشائي، بل هو رؤية لرفع جودة الحياة. نحن لا نطور حجراً، بل نطور بيئة عمل وبيئة معيشة للمواطن المصري." الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة.
الأبعاد البيئية والعتبة "خضراء"
وضعت الدكتورة منال عوض نصب أعينها التحول الأخضر في المناطق المزدحمة، حيث شمل التطوير استخدام خامات رصف صديقة للبيئة تمتص الحرارة ولا تعكسها، اضافة الى توفير إضاءة (LED) ذكية موفرة للطاقة، وتخصيص أماكن محددة وحاويات ذكية لجمع القمامة تمنع انبعاث الروائح أو التراكمات العشوائية.
تحدي الاستدامة ما بعد الافتتاح
التحدي الأكبر ليس في البناء، بل في الحفاظ عليه بعد الافتتاح ، اذ يتضمن المشروع إنشاء منظومة إدارة وصيانة للمنطقة بعد انتهاء التطوير، تضمن عدم عودة الباعة الجائلين للمناطق المحظورة، والحفاظ على كفاءة المرافق الجديدة.
العتبة بوابة مصر للمستقبل
ان مشروع تطوير العتبة هو حلقة في سلسلة طويلة بدأت بتطوير ميدان التحرير وسور مجرى العيون، وهو ما يعد إعلان رسمي بأن القاهرة لا تترك قلبها القديم يموت، بل تعيد صياغته ليكون مركزاً تجارياً، سياحياً، وبيئياً عالمياً، ومع انتهاء المرحلة الثانية، ستكون العتبة قد تخطت مرحلة الأزمة لتدخل مرحلة الاستثمار في الجمال والنظام.