رحلة الحجاج المصريين بالحرم
تبدأ رحلة المعتمر المصري مع خيوط الفجر الأولى، لكن المشهد يبلغ ذروته مع ساعات الظهيرة، حيث يزدحم الحرم بمئات الآلاف.
تجد الحاج "محمد" القادم من أقصى الصعيد، يجلس في ركن هادئ بالدور الأول، يفتح مصحفه الصغير الذي رافقه في رحلته، ويبدأ في تلاوة آيات الذكر الحكيم.
القراءة هنا لها طعم مختلف، فالحروف تمتزج برائحة المسك التي تفوح من الكعبة، والتدبر في الآيات يصبح أكثر عمقاً وهو يرى الكعبة نصب عينيه.
المصريون لا يقرأون القرآن فقط، بل يعيشونه، فتجد أحدهم يجهش بالبكاء عند آيات الرحمة، وآخر يبتسم أملاً في وعد الله بالمغفرة، في مشهد يتكرر آلاف المرات في كل زاوية من زوايا البيت العتيق.
موائد الإفطار في ساحات الحرمومع اقتراب موعد الغروب، تتحول ساحات الحرم إلى مائدة كونية كبرى لا تفرق بين غني وفقير أو مصري وأعجمي، يجتمع المعتمرون المصريون حول "سفر الإفطار" المنتشرة في كل مكان، حيث يبدأ اللقاء بشرب ماء زمزم المبارك، ذلك الماء الذي يحمل في طياته شفاءً لكل داء كما يعتقدون بيقين تام.
وبمجرد انطلاق أذان المغرب، تنكسر حدة الصيام بتمرات من نوع "العجوة" أو "السكري"، وهي الوجبة التي يحرص المصريون على اقتسامها مع جيرانهم في السفرة من مختلف الجنسيات، فالمصري بطبعه "عِشري" كما يقال، يحب إطعام الطعام حتى وهو في غربته الإيمانية.
بعد صلاة المغرب، تستمر حالة الخشوع والخنوع بين جنبات البيت المعمور.
يدعون للأبناء بالهداية، وللأرزاق بالبركة، ولا ينسون أبداً الدعوة الأغلى "يا رب احفظ مصر وأهلها". هذه اللحظات من الانكسار والافتقار إلى الله هي الجوهر الذي جاءوا من أجله، حيث تذوب كل الهموم الدنيوية أمام عظمة الكعبة المشرفة، ويشعر المعتمر بأنه في حضرة ملك الملوك، فينسى تعب السفر ومشقة الزحام.
صلاة التراويح في الحرمومع رفع أذان العشاء، تبدأ الملحمة الإيمانية الكبرى "صلاة التراويح"، يصطف المعتمرون المصريون في صفوف منتظمة، خلف أئمة الحرم المكي الذين تطرب أصواتهم القلوب.
الخشوع هنا يصل لمداه، فبين كل ركعتين، تسمع أنين الباكين وهمسات المستغفرين. المصريون يحرصون على صلاة التراويح كاملة، بل وينتظرون صلاة التهجد في العشر الأواخر بكل لهفة. الدعوات والدموع لا تنقطع، والجميع يسأل الله "العتق من النار" في هذا الشهر الكريم، فتتحول الصلاة إلى رحلة معراج روحية تسمو بالنفوس وتطهر القلوب من شوائب الدنيا.
السحور في الحرموقبل انبلاج خيوط الفجر بساعتين، يبدأ مشهد "السحور في قلب الحرم"، المعتمر المصري يكتفي بلقيمات بسيطة، ربما "علبة زبادي" أو بعض الخبز والجبن الذي أحضره معه، لكن اللذة هنا ليست في الطعام، بل في "المكان"، فالسحور تحت أضواء الحرم الساطعة، وفي هدوء الليل الذي لا يقطعه إلا همسات المصلين وصوت الطائفين حول الكعبة، يعطي للمؤمن طاقة روحية لا تضاهى.
المصريون يحرصون في هذه الساعات على "خلوة مع الله"، حيث يناجون ربهم في وقت السحر، طالبين القبول والرضا، ومجددين العهد على الطاعة.
وتختتم اليومية الرمضانية بصلاة الفجر، حيث تكتسي الوجوه بسكينة لا توصف، بعد الصلاة، يفضل الكثير من المصريين البقاء في الحرم حتى شروق الشمس، فيما يعرف بـ "جلسة الإشراق"، حيث يقرأون أذكار الصباح ويطوفون طواف الوداع لليوم، قبل أن يعودوا إلى مقار إقامتهم لأخذ قسط من الراحة.
هذه اليوميات ليست مجرد طقوس، بل هي "عمرة حياة" بالنسبة للكثير منهم، يدخرون لها "تحويشة العمر" ليقضوها في رحاب الكعبة، ليعودوا إلى أرض الوطن بقلوب بيضاء، محملين بماء زمزم والتمور، وقبل كل ذلك، محملين بذكريات لا تنسى عن أيام قضوها في جنة الله على الأرض.