فاطمة شوقى
لطالما كان النفط هو "الروح" التي يتنفس بها اقتصاد فنزويلا، الدولة التي تمتلك أضخم احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم (تتجاوز 300 مليار برميل). ومع ذلك، فإن هذا الثراء الفاحش كان هو نفسه السبب وراء أزمات اقتصادية طاحنة جعلت البلاد تمر بواحدة من أسوأ حالات التضخم والركود في التاريخ الحديث.
عصر الرخاء والتبعية المطلقة
منذ اكتشاف النفط في أوائل القرن العشرين، تحولت فنزويلا من اقتصاد زراعي بسيط إلى قوة إقليمية. وفي ذروة طفرة الأسعار (خاصة بين 2004 و2014)، شكل النفط حوالي 95% من صادرات البلاد و50% من ميزانية الحكومة، وهذا الاعتماد المفرط جعل الاقتصاد الفنزويلي هشاً للغاية، فكلما ارتفع سعر البرميل، عاشت البلاد رفاهية منقطعة النظير، وكلما انهار السعر، سقط الاقتصاد في هاوية الديون.
الصدمة والانهيار..المرض الهولندي في أبشع صوره
عانت فنزويلا مما يسميه الاقتصاديون المرض الهولندي، حيث أدى التركيز الكامل على النفط إلى إهمال قطاعات الصناعة والزراعة المحلية. ومع انهيار أسعار النفط عالمياً في 2014، وفقدان شركة النفط الوطنية (PDVSA) لكفاءتها بسبب نقص الاستثمار وسوء الإدارة، دخلت البلاد في نفق مظلم. تراجع الإنتاج من 3 ملايين برميل يومياً إلى أقل من 700 ألف برميل، مما أدى إلى نقص حاد في العملة الصعبة، وانهيار قيمة البوليفار، وهجرة ملايين المواطنين.
العقوبات الأمريكية.. المسمار الأخير
زادت العقوبات الأمريكية التي فرضت منذ عام 2017 من خنق الاقتصاد، حيث مُنعت فنزويلا من الوصول إلى الأسواق المالية الدولية وتصدير نفطها إلى الولايات المتحدة (أكبر مشترٍ سابق لخامها الثقيل). هذا الحصار أدى إلى تجميد أصول البلاد في الخارج وزيادة تكلفة شحن وبيع النفط عبر طرق بديلة ومعقدة.
2026: هل ينقذ النفط ما تبقى؟
اليوم، وفي ظل التغيرات الجيوسياسية الراهنة، يبدو أن لعنة النفط بدأت تتحول مرة أخرى إلى طوق نجاة، التراخيص الجديدة لشركات مثل شيفرون وريبسول بدأت تعيد ضخ الحياة في الآبار المهجورة. الحكومة الفنزويلية تحاول الآن استغلال حاجة العالم للطاقة لفرض واقع جديد، حيث يتم استخدام عائدات النفط المتصاعدة تدريجياً في محاولة لاستقرار العملة وتحجيم التضخم الذي كان يوماً ما "فلكياً".