الداخلية تواجه الاحتلال بشجاعة باسلة
اندلعت المواجهة، وبدأت طلقات الرصاص تحاصر المباني، بينما تمسك رجال الشرطة بمواقعهم، يقاتلون بما يملكون من أسلحة بسيطة، وإيمان لا ينفد، لم تكن المعركة فقط بين بنادق، بل بين عقيدتين، عقيدة احتلال يرى الأرض غنيمة، وعقيدة رجال آمنوا أن الوطن لا يُباع ولا يُسلَّم.
الشرطة المصرية تصمد في وجه المحتل
المانشيتات التي خرجت في اليوم التالي حملت صور الدمار، وأعداد الشهداء، لكنها حملت قبل ذلك كله نبرة فخر، تحدثت عن رجال استبسلوا حتى آخر طلقة، وعن دماء سالت فوق أرض الإسماعيلية لتقول إن الشرطة المصرية لم تكن يوماً مجرد جهاز أمني، بل جزء أصيل من نسيج هذا الوطن، تدافع عنه حين يعجز الكلام.
سقط شهداء، وأصيب آخرون، لكن الاحتلال لم ينجح في تحقيق هدفه المعنوي، ربما انتصر عسكرياً في لحظة، لكنه هُزم أخلاقياً وتاريخياً، تلك المعركة كانت الشرارة التي أشعلت الغضب الشعبي، ومهدت الطريق لتحولات كبرى في تاريخ مصر، لتصبح معركة الإسماعيلية رمزاً للكرامة الوطنية.
لم تكن الصحف توثق الحدث فقط، بل كانت تؤرخ لروح، عناوين تتحدث عن صمود حتى النهاية، وعن رجال رفضوا الانكسار، وعن ضابط قال لا في وجه قوة غاشمة، كلمات بسيطة، لكنها حملت معنى الوطن بأكمله، وانتقلت من الورق إلى الوجدان، ومن جيل إلى جيل.
ومنذ ذلك اليوم، لم تنقطع تضحيات الشرطة المصرية، تغيرت المعارك، وتبدلت أشكال المواجهة، لكن جوهر التضحية ظل ثابتاً، من مواجهة الاحتلال الأجنبي إلى التصدي للإرهاب والجريمة المنظمة، ظل رجل الشرطة في الصفوف الأولى، يدفع من عمره وراحته وأحياناً حياته ثمناً لأمن الناس.
الدم الذي سال في الإسماعيلية عام 1952 لم يجف في الذاكرة، بل صار امتداداً لكل دم شهيد سقط بعدها وهو يؤدي واجبه.
في كل زمن، هناك من يحمل الراية، ويكمل الطريق، مؤمناً أن الحفاظ على الوطن مسؤولية لا تقبل التراجع، هذا الخيط المتصل بين الأمس واليوم هو ما يجعل عيد الشرطة مناسبة مختلفة، لا للاحتفال فقط، بل للتأمل والتقدير.
المانشيتات القديمة، حين نعيد قراءتها اليوم، لا تبدو بعيدة، كأنها كُتبت من أجل اللحظة الراهنة، لتذكرنا أن ما نعيشه من أمن واستقرار لم يكن منحة، بل نتيجة تضحيات ممتدة. رجال وقفوا في الإسماعيلية، ورجال وقفوا بعدها في شوارع ومدن وقرى، يواجهون خطراً تلو الآخر.
معركة الإسماعيلية لم تكن مجرد صفحة في كتاب التاريخ، بل كانت بداية وعي وطني، ورسالة واضحة أن الشرطة جزء من معركة الاستقلال والكرامة.
ومنذ ذلك اليوم وحتى الآن، تستمر التضحيات بأشكال مختلفة، لكن بنفس الروح، ونفس الإيمان بأن مصر تستحق أن نحميها مهما كان الثمن.