الجمعة، 23 يناير 2026 01:43 ص

فى ذكرى العيد 74.. مانشيتات خالدة تروى بطولة الشرطة فى معركة الإسماعيلية.. عندما قال رجال البوليس لا للاحتلال وكتبوا تاريخ الكرامة.. من الإسماعيلية 1952 إلى اليوم تضحيات لا تنقطع لعيون مصر الساهرة

فى ذكرى العيد 74.. مانشيتات خالدة تروى بطولة الشرطة فى معركة الإسماعيلية.. عندما قال رجال البوليس لا للاحتلال وكتبوا تاريخ الكرامة.. من الإسماعيلية 1952 إلى اليوم تضحيات لا تنقطع لعيون مصر الساهرة عيد الشرطة الـ74
الجمعة، 23 يناير 2026 12:00 ص
كتب محمود عبد الراضي

لم تكن مانشيتات الصحف في صباح الخامس والعشرين من يناير عام 1952 مجرد عناوين عابرة، بل كانت شهادة حية على ملحمة وطنية كتبها رجال الشرطة بدمائهم، كلمات سوداء عريضة تصدرت الصفحات الأولى، تحمل بين حروفها بطولة نادرة، وتحكي كيف وقف رجال بصدور عارية وإرادة صلبة في مواجهة جيش احتلال مدجج بالسلاح، ليصنعوا واحدة من أنصع صفحات التاريخ المصري.

02150a78-2375-48ae-85d0-adb3036017e6


الداخلية تواجه الاحتلال بشجاعة باسلة
 
في ذلك اليوم، كانت مدينة الإسماعيلية على موعد مع مواجهة غير متكافئة، قوات الاحتلال الإنجليزي، بدباباتها ومدافعها وجنودها المدربين، حاصرت مبنى محافظة الإسماعيلية وثكنات الشرطة، مطالبة رجالها بتسليم أسلحتهم وإخلاء مواقعهم، كان الهدف واضحاً، كسر الإرادة، وإهانة الكرامة، وفرض منطق القوة على أصحاب الأرض.
 
لكن ما وثقته الصحف في مانشيتاتها لم يكن استسلاماً، بل تحدياً، الضابط مصطفى رفعت، الذي تحول اسمه إلى رمز، وقف ليرد بكلمات حاسمة لا تزال تتردد حتى اليوم، قالها بوضوح لا يقبل التأويل، لن نسلم، ولن نترك مواقعنا، ولن نفرط في شرفنا، كانت تلك الكلمات بمثابة إعلان معركة، يعرف قائلها ومن خلفه أن ثمنها قد يكون الحياة نفسها.

اندلعت المواجهة، وبدأت طلقات الرصاص تحاصر المباني، بينما تمسك رجال الشرطة بمواقعهم، يقاتلون بما يملكون من أسلحة بسيطة، وإيمان لا ينفد، لم تكن المعركة فقط بين بنادق، بل بين عقيدتين، عقيدة احتلال يرى الأرض غنيمة، وعقيدة رجال آمنوا أن الوطن لا يُباع ولا يُسلَّم.
 
24d1376a-96eb-48cd-8696-94b009d331c1

الشرطة المصرية تصمد في وجه المحتل
 

المانشيتات التي خرجت في اليوم التالي حملت صور الدمار، وأعداد الشهداء، لكنها حملت قبل ذلك كله نبرة فخر، تحدثت عن رجال استبسلوا حتى آخر طلقة، وعن دماء سالت فوق أرض الإسماعيلية لتقول إن الشرطة المصرية لم تكن يوماً مجرد جهاز أمني، بل جزء أصيل من نسيج هذا الوطن، تدافع عنه حين يعجز الكلام.

07bde4c2-a022-4322-8a56-f4fc06313f88

سقط شهداء، وأصيب آخرون، لكن الاحتلال لم ينجح في تحقيق هدفه المعنوي، ربما انتصر عسكرياً في لحظة، لكنه هُزم أخلاقياً وتاريخياً، تلك المعركة كانت الشرارة التي أشعلت الغضب الشعبي، ومهدت الطريق لتحولات كبرى في تاريخ مصر، لتصبح معركة الإسماعيلية رمزاً للكرامة الوطنية.

لم تكن الصحف توثق الحدث فقط، بل كانت تؤرخ لروح، عناوين تتحدث عن صمود حتى النهاية، وعن رجال رفضوا الانكسار، وعن ضابط قال لا في وجه قوة غاشمة، كلمات بسيطة، لكنها حملت معنى الوطن بأكمله، وانتقلت من الورق إلى الوجدان، ومن جيل إلى جيل.

ومنذ ذلك اليوم، لم تنقطع تضحيات الشرطة المصرية، تغيرت المعارك، وتبدلت أشكال المواجهة، لكن جوهر التضحية ظل ثابتاً، من مواجهة الاحتلال الأجنبي إلى التصدي للإرهاب والجريمة المنظمة، ظل رجل الشرطة في الصفوف الأولى، يدفع من عمره وراحته وأحياناً حياته ثمناً لأمن الناس.

الدم الذي سال في الإسماعيلية عام 1952 لم يجف في الذاكرة، بل صار امتداداً لكل دم شهيد سقط بعدها وهو يؤدي واجبه.
في كل زمن، هناك من يحمل الراية، ويكمل الطريق، مؤمناً أن الحفاظ على الوطن مسؤولية لا تقبل التراجع، هذا الخيط المتصل بين الأمس واليوم هو ما يجعل عيد الشرطة مناسبة مختلفة، لا للاحتفال فقط، بل للتأمل والتقدير.

المانشيتات القديمة، حين نعيد قراءتها اليوم، لا تبدو بعيدة، كأنها كُتبت من أجل اللحظة الراهنة، لتذكرنا أن ما نعيشه من أمن واستقرار لم يكن منحة، بل نتيجة تضحيات ممتدة. رجال وقفوا في الإسماعيلية، ورجال وقفوا بعدها في شوارع ومدن وقرى، يواجهون خطراً تلو الآخر.

معركة الإسماعيلية لم تكن مجرد صفحة في كتاب التاريخ، بل كانت بداية وعي وطني، ورسالة واضحة أن الشرطة جزء من معركة الاستقلال والكرامة.
ومنذ ذلك اليوم وحتى الآن، تستمر التضحيات بأشكال مختلفة، لكن بنفس الروح، ونفس الإيمان بأن مصر تستحق أن نحميها مهما كان الثمن.

 


print