كتبت نور على – نورا فخرى – محمود حسين – هشام عبد الجليل
مجلس الشيوخ يقر تعديلات الضريبة العقارية نهائيًا.. حماية للمواطن بسقف لمقابل التأخير.. إسقاط الديون للحالات المتعثرة.. ميكنة شاملة للتحصيل لضمان العدالة الاجتماعية.. ومواكبة التحول الرقمى وحماية المال العام
شهدت أروقة مجلس الشيوخ، برئاسة المستشار عصام فريد، موافقة المجلس النهائية على مشروع القانون المقدم من الحكومة بتعديل بعض أحكام قانون الضريبة على العقارات المبنية الصادر بالقانون رقم 196 لسنة 2008، وتأتى هذه الخطوة فى سياق حزمة من الإصلاحات الهيكلية التى تتبناها الدولة لتطوير المنظومة المالية، حيث استندت الحكومة فى مذكرتها الإيضاحية إلى ضرورة مواءمة النصوص القانونية مع المادة (38) من الدستور المصري، التى ترسى دعائم العدالة الضريبية، وقد كشف التطبيق العملى للقانون الحالى عن وجود فجوات وسلبيات تطلبت تدخلًا تشريعيًا عاجلًا لمراعاة البعدين الاجتماعى والاقتصادى للمكلفين، مع السعى الحثيث نحو رقمنة الإجراءات وحوكمة التحصيل بما يتماشى مع خطة التحول الرقمى الشاملة التى تشهدها كافة قطاعات الدولة فى الوقت الراهن، مما يضمن دقة التقديرات وتسهيل التعامل بين المواطن ومصلحة الضرائب العقارية.
انطلقت المناقشات الموسعة داخل الجلسة العامة لتسليط الضوء على بنية مشروع القانون التى جاءت فى ثلاث مواد أساسية، بخلاف مادة النشر، حيث ركزت المادة الأولى على استبدال مجموعة من المواد المحورية لضبط إيقاع العمل الضريبي، وكان من أبرز ملامح هذا التعديل ما جاء فى المادة الرابعة التى حسمت الجدل حول توقيتات إعادة التقدير، إذ أكد النص الجديد على ضرورة العمل بالتقدير التالى للقيمة الإيجارية السنوية فور انتهاء فترة التقدير السابق، مع إلزام مصلحة الضرائب بالشروع فى إجراءات إعادة التقدير قبل نهاية كل فترة بمدة لا تقل عن سنة ولا تزيد عن ثلاث سنوات، وهو ما وصفه الخبراء بأنه إجراء تنظيمى يمنح المصلحة وقتًا كافيًا للتقييم الدقيق ويمنع التراكم المفاجئ فى الأعباء الضريبية نتيجة التأخر فى مراجعة القيم الإيجارية، مما يحقق استقرارًا فى المراكز القانونية للمكلفين ويضمن تدفقات مالية منتظمة للموازنة العامة.
وأقر مجلس الشيوخ المادة (29 مكررًا) التى حددت بدقة أربع حالات يجوز فيها إسقاط دين الضريبة ومقابل التأخير، سواء كان الإسقاط كليًا أو جزئيًا، وتمثلت هذه الحالات فى وفاة المكلف عن غير تركة ظاهرة، أو ثبوت عدم وجود مال يمكن التنفيذ عليه، أو فى حال صدور حكم نهائى بإشهار إفلاسه وإقفال التفليسة، وأخيرًا فى حال مغادرة المكلف للبلاد لمدة عشر سنوات متصلة دون ترك أموال تفى بالمديونية، ولم يغفل المشرع الجانب الإجرائي، حيث أناط بوزير المالية أو من يفوضه تشكيل لجان مختصة للبت فى طلبات الإسقاط خلال ثلاثين يومًا، مع إعطاء الوزير الحق فى سحب قرار الإسقاط إذا تبين بناؤه على أسباب غير صحيحة، وهو ما يوازن بين الحفاظ على حقوق الدولة فى تحصيل مستحقاتها وبين مراعاة الظروف القهرية التى قد تحول دون قدرة المواطن على السداد.
أما قضية "مقابل التأخير" فقد نالت نصيب الأسد من المداولات، حيث وافق المجلس على الفقرة الأخيرة من المادة (27) التى وضعت "سقفًا ماليًا" تاريخيًا لمقابل التأخير، ينص صراحة على عدم جواز تجاوز قيمة مقابل التأخير لأصل الدين الضريبى المستحق، وجاء هذا القرار بعد نقاشات ثرية شهدت رفض مقترح خفض الحد الأقصى ليكون 25% فقط، حيث تمسك النائب أحمد أبو هشيمة، رئيس لجنة الشئون المالية والاقتصادية والاستثمار بمجلس الشيوخ، بنص المادة محذرًا من أن التوسع فى خفض الغرامات قد يضر بموارد الموازنة العامة، فيما أكد المستشار محمود فوزي، وزير الشؤون القانونية والنيابية، أن هذا النص يمثل إصلاحًا جوهريًا يحمى المكلف من تضخم المديونيات غير المنطقي، مشددًا على أن الهدف من مقابل التأخير هو تحقيق الانضباط الضريبى وليس مجرد تحصيل الأموال، فلا يمكن المساواة بين الملتزم والمتقاعس، مع الإشارة إلى أن حصيلة هذه الضرائب تُوجه فى النهاية لصالح الخدمات العامة التى يستفيد منها جموع المصريين.
وفى إطار تعزيز التحول الرقمي، أقر المجلس تعديلًا على المادة (23) يلزم بسداد الضريبة ومقابل التأخير عبر وسائل الدفع الإلكتروني، اتساقًا مع قانون تنظيم استخدام وسائل الدفع غير النقدي، وقد أوضحت الحكومة أن إيصال السداد الإلكترونى سيكون هو الحجة القانونية الوحيدة لأداء المبالغ المستحقة، وهو ما يغلق الباب أمام البيروقراطية ويقلص فرص التلاعب أو الضياع فى الأوراق الرسمية، وخلال هذه المناقشة عاد النائب أحمد أبو هشيمة ليؤكد أن مقابل التأخير هو حماية للمال العام، بينما أوضح الوزير محمود فوزى أن القانون يتضمن بالفعل آليات تحفيزية وتيسيرات للمتعثرين، مما يجعل المنظومة متكاملة لا تهدف للضغط على المواطن بل لترسيخ ثقافة الالتزام بالمواعيد القانونية للسداد بما يخدم المصلحة العامة للدولة.
ولم تغب قضية مركزية القرار عن الجلسة، حيث دار نقاش موسع حول المادة (20) المتعلقة بجهات اتخاذ قرار "رفع الضريبة"، ورفض المجلس مقترحات منح المأموريات الفرعية سلطة اتخاذ هذا القرار، متمسكًا بأن تظل الصلاحية فى يد "منطقة الضرائب العقارية المختصة"، وقد أيد النائب أحمد أبو هشيمة هذا التوجه المركزى حمايةً للمال العام وضمانًا لوحدة تطبيق المعايير على مستوى الجمهورية، وهو ما وافقه فيه المستشار محمود فوزى موضحًا أن المأموريات دورها ميدانى تنفيذي، بينما تمتلك المناطق المركزية رؤية شاملة تضمن عدم تضارب القرارات، وبناءً عليه تقرر أن يُرفع الطلب من المكلف أو المأمورية للمنطقة التى تبت فى الأمر بناءً على المستندات المؤيدة، مما يضفى صبغة من الانضباط والشفافية على قرارات رفع الأعباء الضريبية.
وفيما يخص حالات رفع الضريبة الفعلية، شهدت المادة (19) تعديلًا جوهريًا بناءً على مقترح النائب عبد الهادى القصبي، الذى طالب بمراعاة حالات تعذر الانتفاع "الجزئي" بالعقار وليس "الكلي" فقط، ووافق المجلس على أن تُرفع الضريبة إذا تهدم أو تخرب العقار كليًا أو جزئيًا لدرجة تحول دون الانتفاع به، أو إذا أصبحت الأرض الفضاء غير مستغلة، أو فى حالات القوة القاهرة والظروف الطارئة، وأكد الوزير محمود فوزى أن مفهوم القوة القاهرة مستقر فى القانون المدنى ولا يحتاج لتفصيلات إضافية قد تضيق من واسع، مشيرًا إلى أن الضريبة العقارية هى ضريبة "عينية" تُفرض على العقار لذاته، ولا ترتبط بتحقيق الربح أو الخسارة كما هو الحال فى ضريبة الدخل، وهو ما حسم الجدل حول مطالب إعفاء العقارات فى حال توقف النشاط التجاري، مؤكدًا أن الدولة تدعم النشاط الاقتصادى لكن عبر قنوات ضريبية أخرى وليس عبر الضريبة العقارية التى تظل مرتبطة بكيان العقار وقيمته.
واختتمت الجلسة بتأكيدات حكومية وبرلمانية على أن هذه التعديلات تمثل نقلة نوعية فى فلسفة التحصيل الضريبى فى مصر، حيث أوضح المستشار محمود فوزى أن مرافق الكهرباء والغاز ليست دليلًا قاطعًا على الملكية بل هى قرينة على الانتفاع، داعيًا المواطنين لاستغلال التيسيرات التى تقدمها الدولة فى الشهر العقارى لتسجيل عقاراتهم، وفى النهاية، يعكس إقرار هذا القانون من قبل مجلس الشيوخ رغبة حقيقية فى إيجاد توازن دقيق بين حق الدولة فى مواردها السيادية وحق المواطن فى معاملة ضريبية عادلة وشفافة وميسرة، تعتمد على التكنولوجيا الحديثة وتبتعد عن التعقيدات الإدارية، بما يسهم فى رسم خريطة عقارية وضريبية واضحة المعالم تدعم جهود التنمية المستدامة والنمو الاقتصادى المنشود.