الأربعاء، 14 يناير 2026 05:22 م

"التزكية" تُسيطر على لجان "النواب".. هندسة "التوافق المسبق" تحسم قيادات 24 لجنة نوعية.. الوزراء السابقون يبسطون نفوذهم على 7 مقاعد رئاسية.. و"الخطة والموازنة" تغرد خارج السرب وتخوض الاختبار الديمقراطى الوحيد

"التزكية" تُسيطر على لجان "النواب".. هندسة "التوافق المسبق" تحسم قيادات 24 لجنة نوعية.. الوزراء السابقون يبسطون نفوذهم على 7 مقاعد رئاسية.. و"الخطة والموازنة" تغرد خارج السرب وتخوض الاختبار الديمقراطى الوحيد
الأربعاء، 14 يناير 2026 03:00 م
كتب عبد اللطيف صبح
شهد مجلس النواب المصري اليوم محطة مفصلية في مسار الفصل التشريعي الثالث (2026-2031)، حيث جرت انتخابات مكاتب اللجان النوعية الخمس والعشرين، وهي الانتخابات التي لم تكن مجرد إجراء بروتوكولي، بل حملت في طياتها دلالات سياسية عميقة تعكس طبيعة التوازنات داخل القبة للمرحلة المقبلة. فالمشهد العام غلب عليه طابع "الحسم المسبق" عبر آلية التزكية التي هيمنت على 24 لجنة، ما يشير إلى وجود توافقات عريضة جرت خلف الكواليس بين الكتل البرلمانية الكبرى، تهدف إلى ضمان استقرار "المطبخ التشريعي" وتجنب الصراعات الانتخابية التي قد تؤثر على سرعة الأداء البرلماني في مستهل الدورة الجديدة، وهو ما تجلى في إعلان المستشار هشام بدوي للنتائج التي جاءت متسقة مع التوقعات التي سبقت الجلسة.
 
أبرز ملامح هذه الدورة تمثلت في "غزوة الوزراء السابقين" لمقاعد رئاسة اللجان، حيث حصدت الخبرات التكنوقراطية التي شغلت مناصب وزارية سابقة 7 مقاعد حيوية، شملت رئاسة لجان الدفاع والأمن القومي، والخارجية، والزراعة، والقوى العاملة، والطاقة، والتعليم، والإدارة المحلية. هذا التوجه يحمل قراءة سياسية مزدوجة؛ فهي من ناحية تعزز من كفاءة اللجان النوعية بوجود قيادات تمتلك دراية كاملة بملفات وزاراتها السابقة من المنظور التنفيذي، ما يسهل عملية الرقابة والتشريع، ومن ناحية أخرى، قد تثير تساؤلات حول مدى "استقلالية" الرقابة البرلمانية عندما يصبح "الوزير السابق" هو الرقيب الحالي على حقيبته السابقة أو ملفات شبيهة بها. ومع ذلك، فإن وجود أسماء بوزن سامح شكري وطارق الملا والسيد القصير على رأس اللجان، يعطي ثقلًا سياسيًا ودبلوماسيًا للمجلس في مواجهة التحديات الإقليمية والاقتصادية الراهنة.
 
وفي مقابل سيطرة التزكية، برزت لجنة "الخطة والموازنة" كاستثناء وحيد كسر حالة الركود الانتخابي، حيث شهدت منافسة حقيقية على مقاعد الوكالة وأمانة السر. هذا المشهد، الذي غاب لسنوات عن أروقة البرلمان، أعاد الروح للعملية الديمقراطية التنافسية داخل القبة، حيث تبارى خمسة نواب على مقعدي الوكيلين، وأسفرت الصناديق عن فوز الثنائي مصطفى سالم وعبد المنعم إمام، بينما حسم أكمل نجاتي منصب أمين السر بعد منافسة مع طه الشهاوي. دلالة هذا التنافس في لجنة "الخطة والموازنة" تحديدًا تشير إلى الأهمية القصوى لهذا الملف في الدورة الحالية، حيث يدرك النواب أن "مطبخ المال العام" هو الساحة الأكثر تأثيرًا في الشارع المصري، ما جعل الصراع على عضوية هيئة مكتبها يعكس رغبة التيارات المختلفة، بما فيها المعارضة ممثلة في عبد المنعم إمام، في أن يكون لها صوت مسموع داخل اللجنة الأكثر حيوية.
 
وعلى صعيد الشفافية وحق الوصول للمعلومات، أثار قرار إغلاق أغلب اللجان الحيوية أمام الصحفيين والمراسلين، لاسيما لجان الدفاع والأمن القومي والشؤون الدستورية والاقتصادية، حالة من الجدل المهني. هذا الإجراء، رغم كونه قانونيًا وفق اللائحة في حالات معينة، إلا أن توسيع نطاقه في يوم الانتخابات يعكس رغبة في إبقاء تفاصيل "التفاوض السياسي" بعيدة عن عين الرأي العام، وهو ما قد يلقي بظلاله على صورة البرلمان في بداية عهده. فالصحافة البرلمانية هي الجسر الذي ينقل للمواطن كيف تُصنع القرارات ومن يقود اللجان، وغيابها عن لحظة تشكيل المكاتب النوعية قد يُقلص من قدرة الجمهور على متابعة التفاعلات السياسية داخل المجلس.
 
وبالنظر إلى التركيبة الكاملة لهيئات المكاتب، نجد أن هناك مزيجًا بين الاستمرارية والتغيير؛ فبينما حافظت بعض الوجوه التقليدية على مواقعها، دخلت دماء جديدة في لجان أخرى مثل السياحة والإعلام والاتصالات. هذا المزيج يهدف بالأساس إلى خلق حالة من التوازن بين "خبرة التراكم" و"طموح الوجوه الشابة"، وهو ما يتسق مع الخطاب الذي تبناه المستشار هشام بدوي في تهنئته للنواب، مؤكدًا أهمية التعاون المثمر للوصول إلى أداء أفضل تشريعيًا ورقابيًا. إن هيمنة التزكية، رغم ما قد توحي به من هدوء، إلا أنها تضع عبئًا ثقيلًا على رؤساء اللجان الجدد لإثبات أن هذا التوافق جاء من أجل "الإنجاز" وليس لمجرد "التمثيل"، خاصة في ظل تحديات اقتصادية وتشريعية تتطلب برلمانًا قادرًا على الاشتباك مع القضايا الجماهيرية بفعالية وسرعة.
 
ختامًا، يمكن القول إن انتخابات لجان برلمان 2026 قد دشنت مرحلة "التكنوقراطية البرلمانية" بامتياز، حيث استعانت الدولة بخبراتها السابقة لضبط الإيقاع التشريعي، بينما تركت مساحة محدودة للتنافسية السياسية في لجان بعينها لتكون بمثابة "صمام أمان" يعكس التعددية الحزبية. الأيام المقبلة وتحت قبة المجلس، ستكشف ما إذا كانت هذه التشكيلات قادرة على تلبية طموحات المواطن المصري، وما إذا كان هذا الهدوء الذي ساد عملية الانتخاب سيتحول إلى حراك تشريعي ورقابي ملموس، أم سيبقى مجرد إعادة ترتيب للمقاعد داخل البيت البرلماني الكبير.
 
 

الأكثر قراءة



print