التطور الكبير في العلاقة بين الدولة المصرية وأوروبا الغربية، في المرحلة الراهنة، تعكس بجلاء مرونة كبيرة تتمتع بها الدبلوماسية المصرية، خلال السنوات الأخيرة، وتحديدا منذ عام 2014 خاصة إذا ما نظرنا إلى التغييرات العميقة في طبيعتها خلال عقد واحد من الزمان، فبعد الفتور النسبي الذي أعقب الربيع العربي، تحولت العلاقة تدريجيا نحو التعاون، وصولا إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة مع الاتحاد الأوروبي، جنبا إلى جنب مع تعزيز العلاقات بصورة كبيرة مع قوى أوروبية مؤثرة، في مختلف المجالات، سواء فيما يتعلق بالاقتصاد أو الطاقة، أو مكافحة الإرهاب، وصولا إلى التوافقات الكبير في إطار القضايا الدولية الكبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطية، في إطار ما تحقق من اعترافات متواترة بالدولة المنشودة، خرجت من أوروبا الغربية، ولأول مرة دون تنسيق مع الولايات المتحدة، في صفعة كبيرة لحكومة بنيامين نتنياهو في تل أبيب.
كيف ساهمت القاهرة في بناء شراكات مستقلة عن الولايات المتحدة؟
ولعل المفارقة الجديرة بالملاحظة في إطار التطور في العلاقة بين الجانبين، هي أن القاهرة كانت بمثابة أحد أهم نقاط الانطلاق الأوروبية لبناء شراكات مستقلة نسبيا عن الولايات المتحدة، في عهد باراك أوباما، والذي تلقى صدمة فشل الربيع المزعوم بعد ثورة 30 يونيو، وهو ما انطلق عبر ملفي الطاقة والإرهاب، حيث كانت الشراكة الثلاثية بين مصر واليونان وقبرص، والتي حظت برعاية مباشرة من السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، بمثابة مدخلا مهما لتعزيز العلاقة بين جانبي المتوسط، في مجال الغاز الطبيعي، لينطلق منها منتدى غاز شرق المتوسط، ليجمع العديد من القوى الأوروبية جنبا إلى جنب مع القوى الإقليمية في الشرق الأوسط، فيتولد بالتبعية حوار قائم على المصالح والندية، ساهم في تعزيز العلاقة.
وبالتزامن مع التعاون في مجال الطاقة، وبينما كانت مصر في ذروة حربها الضروس ضد جماعات الظلام، بدأت القارة العجوز تستشعر الخطر، جراء هجمات متفرقة طالت مدنها وشوارعها، بين باريس وبروكسيل، لتجد دول القارة نفسها في حاجة ملحة إلى مراجعة مواقفها تجاه القاهرة تحديدا، في ضوء سياسات على مسارات متعددة، منها ما هو أمني عبر ملاحقة عناصر الإرهاب، ومنها ما هو اقتصادي، تجلى في مشاريع عملاقة وشراكات اقتصادية مؤثرة، على غرار الشراكة مع قوى أوروبية في مجال الغاز الطبيعي، ومنها على مسار فكري، عبر مواجهة الأفكار التي تتبناها الجماعات الإرهابية، ناهيك عن مسارات مجتمعية تهدف في الأساس إلى دمج كافة أطياف المجتمع، عبر تعزيز دور الشباب والمرأة، مرورا بتفعيل دور الأحزاب السياسية، وحتى المنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان والعمل الأهلي.
وهنا تحولت القاهرة عبر سياساتها إلى من مجرد قوى إقليمية مهمة، في منطقة جغرافية أخرى، إلى نموذج يمكن استلهامه في مواجهة معطيات مشابهة (إرهاب واقتصاد متراجع وتهميش لفئات محددة) ولكن في ظروف مختلفة، خلقتها الجغرافيا التي وضعت مصر في قلب إقليم مشتعل لعقود طويلة من الزمن، بين حظت أوروبا باستقرار طويل نسبيا، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، منحها قدر من المقاومة في مواجهة الظروف.
إلا أن نجاعة القاهرة في صياغة دبلوماسيتها تجاه العالم، وفي القلب منه أوروبا الغربية نفسها، لم تقتصر على مجرد تقديم نفسها كنموذج، وإنما في إعادة صياغة طبيعة العلاقة مع الشركاء الدوليين، عبر انتهاج الشراكة، لتصبح بديلا للتحالفات في صورتها التقليدية، في ضوء حقيقة مفادها استحالة التطابق الكلي للمواقف تجاه كافة القضايا المثارة على الساحة الدولية، وهو العامل الذي تبنى عليه التحالفات، وبالتالي تصبح التوافقات هي الأساس الذي يمكن البناء عليه في إطار الشراكة بين القوى الدولية.
التوافقات نجحت بصورة كبيرة في تحقيق طفرة قوية في العلاقة بين مصر وأوروبا الغربية، تجلت في العديد من المسارات المتوازية، أهمها الوصول إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، مما يحقق المصالح المشتركة لكلا الجانبين، بينما لعبت دورا كبيرا تعزيز الموقف الذي تتبناه القاهرة في العديد من الملفات والقضايا الدولية، وأحدثها الموقف من العدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة، والذي شهد تحولات جذرية في المواقف الأوروبية تحديدا، وهو ما يبدو في التحول من الاتكاء على ذريعة الدفاع عن النفس، لتبرير السلوك العدواني لنتنياهو وحكومته، إلى بيانات الإدانة والتي حملت اعترافات ضمنية بما يرتكبه الاحتلال من انتهاكات، وحتى اعترافات غير مسبوقة بالدولة الفلسطينية المنشودة، في صفعات دبلوماسية قوية نالتها إسرائيل في لحظات فارقة في التاريخ الإنساني، بينما كانت تتويجا لتنسيق متكامل وتوافق واسع النطاق بين مصر وأوروبا لعقد كامل من الزمان.
العلاقة القوية مع أوروبا نجحت بصورة كبيرة في تعزيز الدور المصري، وخلقت ظهيرا قويا للمواقف التي تتبناها القاهرة، والتي تتسم باعتدالها ونزاهتها في مختلف القضايا الدولية، بينما ساهمت بصورة كبيرة في تعزيز النهج الأوروبي القائم على تحقيق قدر من الاستقلالية عن القيادة الأمريكية للمعسكر الغربي، عبر بناء شراكاتها الخاصة، بما يحقق المصلحة القارية، وبصرف النظر عن مواقف واشنطن، وهو ما يساهم في تعزيز لغة المصالح والندية يساهم في بناء حالة من الاستقرار العالمي.