الأربعاء، 07 يناير 2026 08:25 ص

الحق في التعليم .. مدى دستورية تقييد الحق في التعليم بشروط "مُجحفة".. اشتراط حصول أولياء الأمور على مؤهلات عليا لقبول أبنائهم بالمدارس الدولية "غير دستورى".. مثل هذه الشروط لا توجد في الكليات العسكرية والشرطة

الحق في التعليم .. مدى دستورية تقييد الحق في التعليم بشروط "مُجحفة".. اشتراط حصول أولياء الأمور على مؤهلات عليا لقبول أبنائهم بالمدارس الدولية "غير دستورى".. مثل هذه الشروط لا توجد في الكليات العسكرية والشرطة أزمة اللاعب رمضان صبحى
السبت، 03 يناير 2026 09:00 م
كتب علاء رضوان

أثار الحكم الصادر في واقعة لاعب الكرة الشهير رمضان صبحى، اهتمامًا إعلاميًا وقانونيًا واسعًا، لا بسبب أطرافه فحسب، بل لما انطوى عليه من وقائع وموضوعات قانونية متشعبة، من بين المسائل التي أثارتها هذه القضية إشكالية دستورية دقيقة أعادت فتح ملف مسكوت عنه طويلًا: "حدود مشروعية تقييد الحق في التعليم"، هذا وقد قضت محكمة جنايات الجيزة، قبل عدة أيام، بمعاقبة اللاعب بالحبس سنة مع الشغل، ومعاقبة المتهم الثاني الذي أدى الامتحان بدلًا منه بذات العقوبة، وبراءة المتهم الثالث، فيما قضت المحكمة بالسجن 10 سنوات للمتهم الرابع الهارب.

 

ومن بين ما لفت الانتباه في هذا السياق، ما نُسب إلى منصة القضاء من توجيه رسالة إلى وزير التعليم مفادها أن اشتراط حصول أولياء الأمور على مؤهلات عليا لقبول أبنائهم بالمدارس الخاصة يُخالف الدستور، وهذه الإشارة – وقد صدرت من منصة القضاء – لا يمكن المرور عليها مرور الكرام، ولا يمكن تجاهلها أو اعتبارها قولًا عابرًا أو تعليقًا سريعا، وإنما تعكس تحذيرًا قانونيًا جادًا من ممارسة تمس جوهر أحد أهم الحقوق الدستورية.    

 

ككس

 

مدى دستورية تقييد الحق في التعليم بشروط غير موضوعية

 

في التقرير التالى، يلقى "برلماني" الضوء على مدى دستورية تقييد الحق في التعليم بشروط غير موضوعية، وذلك من خلال التطرق للحق في التعليم في المواثيق الدولية، والحق في التعليم في الدستور المصري، وشرط عدم التمييز وحدود التنظيم، وموقف المحكمة الدستورية العليا، والآثر العملى للمسألة، خاصة وأن المتحدث باسم وزارة التعليم شادي زلطة خرج عبر وسائل الإعلام بعد أزمة تلك القضية ليؤكد أنه لا يوجد أي شرط بحصول الأب والأم على مؤهل عالي عند التقديم للمدارس الخاصة والدولية، والتقديم لا علاقة له بالمستوى الاجتماعي للأسرة، ومن لديه شكوى من هذا النوع يُبلغ الوزارة لاتخاذ اللازم مع المدرسة. ونؤكد أن حق التعليم مكفول لأي طالب - بحسب الخبير القانوني والمحامى صالح جمال عمار. 

 

أولًا: الحق في التعليم في المواثيق الدولية

 

في البداية – مثل هذا الشرط المجحف لا يوجد حتى في قبول كليات الشرطة والعسكرية، رغم أنه معمول به في اللوائح الداخلية والتعميمات الداخلية لبعض لـ90 من المدارس الدولية، إلا أن الحق  في التعليم من الحقوق الإنسانية الأساسية التي كفلتها المعاهدات والمواثيق الدولية، وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966، حيث التزمت الدول بإتاحته على أساس المساواة وتكافؤ الفرص، وجعلته وسيلة لتنمية الشخصية الإنسانية وتحقيق العدالة الاجتماعية – وفقا لـ"عمار". 

 

د
 
شادى زلط - المتحدث بإسم وزارة التعليم

 

كما أكدت اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 حق الطفل في التعليم، وضرورة إدارة المؤسسات التعليمية على نحو يحفظ كرامته الإنسانية، ويحول دون أي صور للتمييز، وتعزز هذا الالتزام الدولي باعتماد خطة التنمية المستدامة 2030 التي تعهدت فيها الدول بتوفير تعليم جيد ومنصف وشامل للجميع دون تمييز – هكذا يقول الخبير القانوني والمحامى.

 

ثانيًا: الحق في التعليم في الدستور المصري

 

واكبت الدساتير المصرية المتعاقبة هذا الاتجاه، فنص دستور 2014 المعدل 2019 في المادة (19) على أن التعليم حق لكل مواطن، وأكد أهدافه في ترسيخ المواطنة وعدم التمييز، مع التزام الدولة بالإشراف على التعليم العام والخاص لضمان التزامه بالسياسات التعليمية، ولا يجوز قراءة هذا النص بمعزل عن باقي أحكام الدستور، إذ تشكل نصوصه وحدة عضوية متكاملة، ويُكملها نص المادة (9) التي ألزمت الدولة بتحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين دون تمييز – طبقا لـ"عمار". 

 

ططسس

 

ثالثًا: شرط عدم التمييز وحدود التنظيم

 

الأصل أن للدولة سلطة تنظيم الحقوق، غير أن هذا التنظيم لا يجوز أن ينقلب إلى تقييد أو إهدار، فالتمييز بين المواطنين لا يكون مشروعًا إلا إذا استند إلى أسس موضوعية منطقية ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالغاية من التنظيم، ومن ثم، فإن اشتراط حصول الأبوين على مؤهل علمي معين لقبول أبنائهم بالمدارس – أيا كان نوعها – لا يتصل بذات الحق في التعليم، ولا بقدرة الطفل أو استعداده، وإنما يقوم على معيار شخصي أجنبي عن الغاية الدستورية من التعليم، بما يجعله تفرقة تحكمية غير مبررة، وغير جائزة – الكلام لـ"عمار".

 

رابعًا: موقف المحكمة الدستورية العليا

 

استقر قضاء المحكمة الدستورية العليا على أن مبدأ المساواة هو ركيزة أساسية للحقوق والحريات، وأن صور التمييز المجافية للدستور تقوم متى انطوت القاعدة القانونية أو الممارسة الإدارية على تفرقة أو تقييد أو استبعاد تحكمي ينال من الحق أو ينتقص من آثاره، كما قررت أن الإخلال بالمساواة يتحقق سواء صدر عن السلطة التشريعية أو التنفيذية، وأن أي مغايرة في المعاملة لا تكون مشروعة إلا إذا قامت على فروق موضوعية يمكن ربطها عقلًا بالأغراض التي يتوخاها التنظيم. 

 

ددسس

 

خامسًا: الأثر العملي للمسألة

 

من الزاوية العملية، يفتح هذا التحليل الدستوري الباب أمام الطعن على القرارات أو الضوابط الإدارية التي تقيد القبول في المدارس على أسس غير موضوعية، وتلك الخاصة برفض قبول الأطفال استنادا لهذه الأسباب غير الموضوعية، وذلك من خلال الدفع -أمام المحكمة المختصة بنظر الطعن- بعدم دستورية الشروط التي تُنشئ تمييزًا لا يستند إلى مبرر منطقي، فضلاً عن تعزيز دور المحامي في حماية الحقوق التعليمية، لا باعتبارها مسألة خدمية، بل حقًا دستوريًا أصيلًا.  

 

كما إن اشتراط القبول على أساس الوضع التعليمي أو الاجتماعي لوليّ الأمر يُعد انحرافا بالسلطة التنظيمية، ومساسا بحق دستوري كفله الدستور قائما على المساواة وتكافؤ الفرص دون تمييز، وإثارة هذه المسائل ليست ترفا قانونياً، بل دفاعا لازما عن جوهر الدولة الدستورية وحماية لمشروعية الحقوق. 

 

صصص

 

خاتمة:

 

وفى الأخير يؤكد "عمار": خلاصة القول، إن الحق في التعليم ليس منحة، ولا ميزة طبقية، بل حق دستوري عام قوامه المساواة وتكافؤ الفرص، وكل قيد لا يستند إلى معيار موضوعي مرتبط بذات الحق يُعد عدوانًا عليه، ومخالفة صريحة للدستور، وإثارة هذه المسائل، والتنبيه إلى خطورتها، ليس ترفًا فكريًا، بل واجب مهني وأخلاقي، يُسهم في صون الحقوق، ويؤكد أن المحامي شريك أصيل في حماية الدستور، لا مجرد مترافع أمام المحاكم.  

 

20220207043303333
 
ددس
 
الخبير القانوني والمحامى صالح جمال عمار

print