الأحد، 24 مايو 2026 10:06 م

حادث أبنوب الأليم بين مفهومي الأمن والتأمين.. الأسباب والحلول.. 3 عناصر تكشف تآكل سمات مدرسة المباحث الكلاسيكية.. أبرزها تآكل مفهوم "المخبر السري".. ومقترح تنفيذي لإنشاء مؤسسة "بيت الخبرة الأمني"

حادث أبنوب الأليم بين مفهومي الأمن والتأمين.. الأسباب والحلول.. 3 عناصر تكشف تآكل سمات مدرسة المباحث الكلاسيكية.. أبرزها تآكل مفهوم "المخبر السري".. ومقترح تنفيذي لإنشاء مؤسسة "بيت الخبرة الأمني" ضحايا حادث أبنوب
الأحد، 24 مايو 2026 09:00 م
كتب علاء رضوان

لازالت ردود الأفعال مستمرة بشأن حادث "مجزرة أبنوب" التي شهدتها محافظة أسيوط، منذ أسبوع، والتي بدأت باصطدام سيارة بدراجة بخارية، وانتهى بمجزرة، راح على إثرها 8 أشخاص، وذلك بعد أن أطلق شخص يدعى "عاطف خلف سليم" النار بشكل عشوائي على من حوله – وبحسب بيان وزارة الداخلية - ثم هرب وبعد تتبع المتهم، فرضت قوات الأمن حصارًا محكمًا على المنطقة التي يتواجد بها بقرية "بنى محمد"، ثم حدث تبادل لإطلاق النيران بينه وبين رجال المباحث، انتهى بمصرعه.

 

وزارة الداخلية بمجرد وقوع الحادث أصدرت بيانًا حول مقتل 8 أشخاص وإصابة 5 آخرين، ومقتل المتهم أثناء تبادل إطلاق النار مع الأجهزة الأمنية، وأشار البيان إلى أن المتهم كان يعاني من اضطرابات نفسية، يخصع على أثرها للعلاج في مصحة بالقاهرة، وهذا ما دفعه لإطلاق النار بشكل عشوائي، وهو الأمر الذى يجعلنا نتحدث عن حادث أبنوب الأليم بين مفهومي الأمن والتأمين ومعضلة تجريف خبرات البحث الجنائي.   

 

ك

 

حادث أبنوب الأليم بين مفهومي الأمن والتأمين ومعضلة تجريف  خبرات البحث الجنائي

 

في التقرير التالى، يلقى "برلماني" الضوء على حادث أبنوب الأليم بين مفهومي الأمن والتأمين ومعضلة تجريف خبرات البحث الجنائي، فيجب أن يكون التحليل نابع من عقل باحث لا تُحركه الأهواء، وإنما التحليل القائم على العلم والهادف للمصلحة الوطنية، فلابد عند اتخاذ طريق التحليل أن يُقدر المُحلل المجهودات والإيجابيات التي لا ينكرها إلا جاحد، ولكن لكل سياسة إيجابيات وسلبيات، فلذلك لابد من السعي لتطوير هذه السياسات بشكل مستمر ومعالجة سلبياتها؛ وصولاً إلى أعلى أهداف وهو تحقيق واستدامة مفهوم الأمن الحقيقي للمواطن المصري – بحسب الخبير القانوني والمحامى محمد لطفى خليفة، عضو الجمعية المصرية لعلوم الأدلة الجنائية والطب الشرعى.

 

في البداية – يجب أن نوضح أننا ننأى بأنفسنا وبقلمنا ورأينا عن الانزلاق في أي من المسلكين المرفوضين؛ فلا نحن بالبوق الذي يسرف في المدح والمحاباة، لنصور الواجبات الوظيفية الروتينية لرجال الشرطة على أنها إنجازات خارقة ابتغاءً لمصالح شخصية أو علاقات أمنية، ولا نحن بالسيف المسلط لتصيد الهفوات والتحريض الممنهج ضد الأجهزة الأمنية، وإنما هو النصح المخلص والتحليل المتجرد – وفقا لـ"خليفة".  

 

خهل

 

الوقائع من البداية 

 

بدأت الحادثة بشخص يقود سيارته واصطدم بأحد الأشخاص يستقل دراجة نارية "موتوسيكل" ثم هرب، فقام اثنان من الأهالي بمطاردته بدراجتين ناريتين من أجل اللحاق بمرتكب الواقعة للتعرف عليه أو أخذ رقم لوحات سيارته، فتعمد قائد السيارة الاصطدام بهما، ثم نزل ليدور بينهم حديث لم يتجاوز عشرين ثانية تقريباً، فقام باستخراج بندقية آلية من سيارته وأطلق على الاثنين أعيرة نارية – الكلام لـ"خليفة".

 

ثم انطلق بالسيارة مرة أخرى، وعلى بعد نحو 500 متر بمنطقة السنترال بأبنوب، بدأ يطلق أعيرة نارية بشكل عشوائي أصابت أسرة كاملة، ثم انتقل إلى منطقة أخرى بالطريق العام باتجاه قرى بحري أبنوب بجوار مستشفى أبنوب المركزي، وأطلق النار على شخص آخر، مما أسفر عن 9 وفيات وإصابة أكثر من 10 أشخاص، بينهم حالات خطيرة، ثم ذهب إلى منزله، وكانت الشرطة قد تحركت واشتبكت معه في منزله وقامت بتصفيته – طبقا لـ"خليفة". 

 

هتالب

 

الأمن والتأمين… أين الخلل؟

 

لا يمكن قراءة حادث أبنوب الأليم باعتباره مجرد "جريمة جنائية عابرة"، بل هو مؤشر إنذار مبكر على وجود خلل في منظومتي الأمن والتأمين، وليس نتاجاً لتحققهما، فحمل السلاح الآلي والتجول به بحرية في حد ذاته يُعد خرقاً مباشراً لمنظومة الأمن والتأمين معاً، فالطمأنينة الشرعية هي التي تجعل المواطن يخرج آمناً بلا سلاح، معتمداً على حماية الدولة وهيبتها، أما الطمأنينة التي تجعل شخصاً يخرج بسلاح آلي داخل سيارته، مستعداً لاستخدامه عشوائياً عند أول خلاف، فهي ليست طمأنينة أمنية، وإنما حالة استعراض قوة وإجرام كامن، عجزت تدابير التأمين — في تلك اللحظة — عن رصدها ومنعها قبل الكارثة – هكذا يقول "خليفة".

 

مفهوم التأمين وعلاقته بحمل السلاح

 

إن خروج القاتل من منزله وفي سيارته سلاح آلي ناري، دون خوف من استيقاف أو تفتيش أو اشتباه، ودون قلق من وجود أكمنة أو ارتكازات تعترضه، يدل على خلل واضح في مفهوم التأمين الوقائي، ولولا هذا الحادث المؤلم لما انكشف أمر هذا الشخص، الذي يبدو من مسار الواقعة أنه اعتاد اصطحاب السلاح داخل سيارته – كما يرى الخبير القانوني والجنائى.

 

فإذا نظرنا للأمر من زاوية مفهوم التأمين، والذي يُعرف بأنه "التدابير الإجرائية والمادية والوقائية التي تتخذها الشرطة لمنع وقوع الخطر قبل حدوثه"، فإن وجود أكمنة فعالة، ومنظومات ودوريات اشتباه ذكية وفاعلة في مداخل المركز والطرق الرئيسية بين القرى والمراكز والمدينة، كان من شأنه أن يزرع في نفس الشخص "الخوف من الانكشاف والضبط"، حينها سيدرك يقيناً أن حمل سلاح آلي داخل سيارته سيؤدي حتماً إلى ضبطه وتفتيشه ومصادرة السلاح قبل أن يتحرك به لعدة أمتار، وهو ما يمنعه عملياً من اتخاذ هذا القرار من الأساس – بحسب "خليفة". 

 

ؤر

 

تآكل سمات مدرسة المباحث الكلاسيكية

 

هذا الحادث الأليم يكشف بوضوح عن تآكل عدد من السمات المميزة لمدرسة المباحث الكلاسيكية:

 

أولاً: كان رئيس مباحث المركز يُعد الحاكم الأمني الحقيقي لدائرته، يعلم تفاصيلها الدقيقة ويملك السيطرة المعلوماتية الكاملة عليها، وحينما يطمئن شخص له نفوذ اجتماعي أو حزبي أو عرفي للخروج بسلاح آلي، فهذا يعني عملياً أنه أمن المحاسبة والعقاب نتيجة شبكة علاقات محلية أو شعور بضعف احتمالات الاشتباه به، وهذا هو الخلل الذي حاربته المدرسة الكلاسيكية تاريخياً عبر مبدأ فرض السيطرة "حتى مع وجود بعض معادلات التوازن والاستثناءات والتي هي محل نقد ولكنها كانت تحت التحكم والسيطرة" – وفقا لـ"خليفة".

 

ثانياً: تآكل مفهوم "المخبر السري" الذي كان يمثل عين المباحث داخل القرى والمراكز، فاطمئنان الجاني للخروج بسلاح آلي يعكس غياباً للاختراق المعلوماتي الأرضي، وعجزاً عن رصد حيازة هذا السلاح مسبقاً رغم أن حائزه شخصية معروفة في نطاقه الاجتماعي.

 

ثالثاً: تراجع فكرة الارتكازات والكمائن الفجائية المتحركة في المداخل والمخارج وخطوط التحرك الحيوية، والتي كانت تثير الرهبة في قلوب الخارجين على القانون، فخروج الجاني وتحركه بهذا القدر من الاطمئنان يعكس غياب هذه التدابير الوقائية، ويؤكد شعوره بأن هويته أو نفوذه المجتمعي يوفران له حصانة غير مكتوبة ضد الاشتباه والتفتيش. 

 

حخنت

 

مفهوم الأمن ومعضلة تجريف خبرات البحث الجنائي

 

هذا الخلل يقودنا مباشرة إلى أزمة أخرى شديدة الخطورة، وهي تجريف الوزارة من كثير من خبرات البحث الجنائي وإحالة عدد كبير من القيادات الميدانية للمعاش في سن الخامسة والخمسين، ضمن سياسات إفساح المجال لتصعيد كوادر شابة، لكن هذا السن تحديداً هو — علمياً وعملياً — سن اكتمال الخبرة الأمنية والحنكة الميدانية، ففي علوم الإدارة العامة والأمن تُعرف المرحلة العمرية من الخمسين إلى الستين بأنها "مرحلة التوازن"، حيث يمتلك الضابط خبرة تراكمية واسعة في اتخاذ القرار تحت الضغط، ونضجاً عاطفياً يمنعه من الاندفاع، بالإضافة إلى شبكة علاقات وخبرات مجتمعية تمكنه من إدارة النزاعات والخصومات المركبة بحكمة وسيطرة.

 

لقد ترك هذا التجريف المستمر فراغاً واضحاً في مستوى الخبرة التراكمية داخل قطاع البحث الجنائي، فالشباب يمتلكون الطاقة والحماس بلا شك، لكنهم يحتاجون إلى الخبرة الميدانية الثقيلة التي تضبط إيقاع الدائرة، وتدير شبكات المعلومات، وتفرض السيطرة الأمنية دون تهاون أو مجاملات.

 

كما أن كثيراً من أحداث الاشتباكات والثأر والنزاعات العائلية، خاصة في المراكز والقرى، تتفاقم أحياناً ليس فقط بسبب خطورة العناصر الإجرامية، وإنما أيضاً بسبب ضعف خبرات بعض رؤساء المباحث في إدارة النزاع واحتوائه مبكراً "نظراً لطبيعة السن وتكوين الخبرة" وفي أحيان أخرى، بسبب غياب التوافق الحقيقي بين بعض رؤساء الأفرع ومفتشي المباحث ورؤساء المباحث التنفيذيين، فتتحول العلاقة عملياً إلى حالة تنافس خفي وصراع صلاحيات أكثر من كونها فريق عمل أمني متناغماً يعمل بعقلية واحدة وهدف واحد "مما يساهم في تناغم الخبرة الوسيطة لرؤساء ووكلاء الافرع  مع حماسة وابداع شباب مباحث المراكز والأقسام". 

 

عال

 

المقترح التنفيذي: مؤسسة "بيت الخبرة الأمني"

 

وردد "خليفة" قائلاً: "معالي السيد الوزير، إن العقاب الانتقائي بمعاقبة رئيس مباحث أو مدير أمن عقب كل حادثة لن يكون هو الحل الحقيقي للمشكلة، وإنما الحل يكون في مراجعة وهيكلة السياسات الأمنية ذاتها بما يحقق المصلحة الأمنية العامة بشكل مستدام، فمثل حادث أبنوب يتكرر بأشكال متعددة في عدد من المحافظات، وليس من العدل اختزال الأمر دائماً في شخص أو فرد، بينما قد تكون الأزمة الحقيقية أزمة تدريب وخبرة وتنسيق وهيكلة مؤسسية"، وذلك لا يمنع من محاسبة الأفراد حال ثبت التقصير والإهمال.

 

ويضيف الخبير القانوني والجنائى: ومن هنا أطرح على سيادتكم تصوراً عملياً يتمثل في إنشاء "بيت خبرة أمني" داخل كل مديرية أمن، يعمل كمركز تفكير أمني (Think Tank)، ويُشكل بقرار من الوزير من القيادات الأمنية المتميزة التي قدمت عطاءً حقيقياً في البحث الجنائي، وأن يكون اختيارهم قائم على سجل مهني قوي في الكفاءة والانضباط والنزاهة والقدرة على نقل الخبرات للأجيال الجديدة، هذا الكيان لا يهدف إلى تعطيل الشباب أو إعادة القيادات القديمة للمواقع التنفيذية، وإنما يهدف إلى استثمار خبراتهم الطويلة في التوجيه والتدريب والمساندة ووضع الرؤى الاستشارية.

 

فمدير الأمن ومدير المباحث يكونان منشغلين يومياً بتحقيق الانضباط والتأمين والعمل الإداري والشرطي المستمر، ولا يتوافر لديهما الوقت الكافي للدراسة التفصيلية والتطوير والتدريب المستمر لكل دائرة مركز أو قسم، وهنا يأتي دور "بيت الخبرة الأمني" ليكون بمثابة بوصلة فكرية واستشارية تدعم القيادات التنفيذية بالحلول والبدائل والتقويم المستمر، ويتولى هذا المركز رصد الحالات الأمنية الخاصة بكل محافظة، وإعداد برامج تدريبية وتوجيهية مستمرة لشباب الضباط، وصياغة مذكرات استشارية ميدانية تتعلق بأنماط الجرائم وآليات التعامل الأمثل معها، بما يدعم ضباط البحث الجنائي بخبرة متراكمة منظمة، لا بخبرات فردية متقطعة. 

 

338176-ثقفع

 

الخلاصة:

 

وفى الأخير يقول "خليفة":  معالي السيد الوزير، أختتم مقالي هذا الذي جاهدت فيه نفسي — قلباً وعقلاً — لتحييد الهوى والمشاعر، ووضع حادث أبنوب ومثيله من الحوادث المشابهة أو الحوادث التي تمثل خرقاً لمفهوم التأمين وهي ليست بالقليلة ..  على ميزان المعايير العلمية والخبرة الأمنية، أملاً في الوصول إلى طرح قابل للتنفيذ، وحلول تخرج بنا من دائرة رد الفعل إلى دائرة الوقاية والاستباق، فالأمن الحقيقي لا يتحقق فقط بسرعة التعامل مع الجريمة بعد وقوعها، وإنما بقدرة المنظومة على منع أسبابها قبل أن تتحول إلى دماء في الشوارع وصرخات في البيوت، وما تملكه وزارة الداخلية من خبرات تاريخية وتراكم مؤسسي هائل يؤهلها — إذا أُحسن استثماره — لاستعادة النموذج المصري المتميز في فرض السيطرة الأمنية وتحقيق الردع وهيبة القانون، وردد أخيراً: "حفظ الله مصر، وحفظ رجالها المخلصين، وأعانكم على ما تحملونه من مسؤولية ثقيلة في حماية الوطن والمواطن".  

 

 
ط
 
الخبير القانوني والمحامى محمد لطفى خليفة، عضو الجمعية المصرية لعلوم الأدلة الجنائية والطب الشرعى
 

موضوعات متعلقة :

حبس لعدم سداد النفقة.. ماذا لو تم حبس الزوج 30 يوم هل بذلك ينتهى الأمر؟.. المشرع أجاز تفعيل المادة 293 عقوبات في مرحلة ما بعد تنفيذ حكم الحبس.. وحال استمر ممتنع يتم الحكم عليه.. وخبير يُجيب عن الأسئلة الشائكة

بعد واقعة "يسرا ويمنى".. حدود التصالح بين السرقة والتزوير داخل الأسرة.. المشرع أجاز التنازل في الأولى.. ولم يجزه في الثانية باعتباره من النظام العام.. لأن الحق المعتدى عليه لا يملكه فرد حتى يتصرف فيه بالصفح

التلفيق بين المذاهب فى قانون الأسرة.. تعاملوا مع القانون الحالى كالعبد الذى أراد التوصل لحل الخمر.. أخذ المشرع أبعد فترة لانتهاء سن الحضانة.. تنتهى عند 15 سنه طبقاً لرأى المالكية.. وأخذوا التخيير من الشافعية

سلوك يسبب ذعر المجتمع.. كيف يرى المشرع ظاهرة التهديد بالانتحار عبر وسائل التواصل؟.. تُعد جريمة رقمية مستحدثة فى ظل "فراغ تشريعى".. يصبح المجتمع وأجهزة الدولة فى حالة استنفار دائم وفقا لـ"البث المباشر والبوست"


print